أمير قطر داعيا لمحاسبة مرتكبي الإبادة في غزة: تعرضنا لاعتداء إيراني ولن نتنازل عن حقنا

افتتح أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، اليوم الثلاثاء، دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي الثاني، الموافق لدور الانعقاد السنوي الخامس والخمسين لمجلس الشورى، مؤكداً قدرة قطر على تجاوز التحديات، وصون سيادتها، ومواصلة تنويع اقتصادها، مع التمسك بالحوار والحلول الدبلوماسية لمنع اتساع دائرة الحرب في المنطقة.

جاء ذلك خلال خطاب ألقاه أمير قطر في قاعة تميم بن حمد في مقر مجلس الشورى في العاصمة القطرية الدوحة.

وفي مستهل خطابه، أعرب أمير قطر عن تطلعه إلى أن يواصل مجلس الشورى أداء مهامه الدستورية بروح التعاون البناء، وأن تسهم مناقشاته في تطوير التشريعات بما يخدم المصلحة العامة.

واستذكر الأمير، بقلوب يملؤها الوفاء، مسيرة والده الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي توفي هذا العام، مشيداً بما قدمه لوطنه وأمته طوال حياته، وقيادته قطر في مرحلة مفصلية من تاريخها شهدت نهضة شاملة في مختلف مجالات التنمية، وترسيخ مؤسسات الدولة، وتعزيز استقلال القرار الوطني، وتمكين المرأة، وترسيخ الحضور الفاعل لقطر بين الأمم.

وأشار إلى أن إيمان الأمير الوالد بالإنسان القطري شكّل أساس مشروعه، إذ استثمر في علمه وقدراته، وهيأ له سبل الإسهام الفاعل في مسيرة الوطن وتنميته، مؤكداً أن الوفاء لسيرته يكون بصون منجزاته وإرثه الراسخ في وجدان القطريين وذاكرة الوطن.

ودعا له بأن يجزيه الله عن قطر وشعبها وأمته خير الجزاء، ويسكنه فسيح جنانه.

قطر تجاوزت أحداثاً استثنائية ومؤسسات الدولة أثبتت جاهزيتها

وقال الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إن قطر والمنطقة واجهتا خلال العام أحداثاً استثنائية، أثبتت مجدداً متانة مؤسسات الدولة وتماسك المجتمع والقدرة على التعامل مع الأزمات بكفاءة ومسؤولية.

وأشاد بالشعب القطري والمقيمين على أرض قطر، لما أظهروه من وعي وتماسك خلال الأحداث التي شهدتها البلاد في الشهور الماضية، كما أشاد بمؤسسات الدولة والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية، التي كانت على أهبة الاستعداد، ليس لامتصاص الصدمة فحسب، بل للتعامل معها وإدارتها ببسالة واقتدار.

وأكد أن علاقة القطريين بأرضهم لم تصنعها الوفرة، بل صاغتها الأجيال عبر مواجهة الشدائد وقسوة الجغرافيا وشح الموارد، في علاقة تقوم على الوفاء والإرادة وتحدي المستحيل، وكتبها القادة الأوائل بالتفاف الشعب حولهم.

وشدد على أن إرادة قطر في بناء وطنها وصون مكتسبات شعبها صلبة لا تنكسر.

وأوضح أن قطر حملت خلال الأزمة ثلاث مسؤوليات في آن واحد، هي حماية سيادتها، والوفاء بدورها في أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وإبقاء أبواب الدبلوماسية مفتوحة.

وبيّن أن استراتيجية قطر للتعامل مع الأزمة قامت على أربعة عناصر أساسية: الدفاع عن الوطن بحزم من دون الانجرار إلى الحرب، والحفاظ على الخدمات وسلاسل التزويد ودورة الحياة الاقتصادية، والإسهام في الجهود الرامية إلى وقف إطلاق النار وفتح الممرات المائية، والحث على التفاوض والبحث عن فرص للعودة إلى المفاوضات بهدف التوصل إلى حلول سلمية للصراع.

إغلاق مضيق هرمز أضر بصادرات الطاقة.. والقطاعات غير الهيدروكربونية تساهم بنحو 80% من الاقتصاد

وفي الشأن الاقتصادي، قال أمير قطر إن بلاده تؤمن نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، ما يجعل أي تطورات تمسها تنعكس سريعاً على الأسواق والمستهلكين في مختلف أنحاء العالم.

وأوضح أن إغلاق مضيق هرمز، والأضرار المباشرة التي لحقت ببعض منشآت الطاقة في مدينة راس لفان الصناعية، أديا إلى تعطل جزء مهم من صادرات الدولة.

لكنه أشار إلى أن التداعيات الاقتصادية لهذه التطورات تركزت بصورة رئيسية في قطاع الطاقة، في حين حرصت الدولة على مواصلة نمو القطاعات غير الهيدروكربونية، لتبلغ مساهمتها نحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، بما يعكس قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود ومواصلة النمو في ظروف استثنائية ومعقدة.

وأكد أن الدولة وضعت منذ اللحظة الأولى للأزمة حماية الإنسان وتأمين احتياجاته وتعزيز النشاط الاقتصادي في مقدمة أولوياتها، وعملت أجهزتها بالتعاون مع القطاع الخاص على تنويع مسارات الإمداد وتأمين السلع الأساسية والمخزونات الاستراتيجية.

وأشار إلى أن الاقتصاد القطري واجه الأزمة انطلاقاً من قاعدة قوية، بعدما حقق في عام 2025 نمواً حقيقياً بلغ 2.9%، مع استقرار معدل التضخم عند نصف بالمائة في المتوسط السنوي، وتحقيق فائض في الحساب الجاري، والمحافظة على التصنيفات الائتمانية السيادية المرتفعة للدولة، إلى جانب استمرار نمو رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر.

وفي المقابل، أكد أمير قطر انعكاس الأزمة على المالية العامة، موضحاً أن إجمالي الإيرادات انخفض خلال النصف الأول من العام بنسبة 42%، فيما تراجعت المصروفات العامة بنسبة 14%، من دون المساس بالخدمات الأساسية أو الأولويات التنموية.

وشدد على أن هذا الأمر ليس مفروغاً منه، ويستحق التقدير، مؤكداً أن الدولة لم تصب بالهلع، وظلت تنظر إلى المستقبل بثقة في الاقتصاد الوطني.

وأضاف أن قطر قررت عدم تقليص الخدمات الأساسية، وفضلت عدم تغيير الأولويات التنموية، حرصاً على عدم إبطاء الزخم الاقتصادي الذي تشهده البلاد.

وأوضح أن السياسات التي انتهجتها الدولة قبل الأزمة، بما شملته من تعزيز الاحتياطيات، وخفض الدين العام، وإعداد الموازنة على أساس أسعار نفط متحفظة، وتنمية الإيرادات غير النفطية، مكّنت قطر حتى الآن من استيعاب تداعيات الأزمة.

لكنه أكد أن هذه الاستراتيجية تتطلب مواصلة الانضباط المالي، ورفع كفاءة الإنفاق، ومراجعة البرامج وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد.

221 مليار ريال مشاريع وفرص استثمارية خلال السنوات الخمسة المقبلة

وأكد أمير قطر أن هدف بلاده لا يقتصر على العودة إلى الأوضاع التي سبقت الأزمة، بل يتمثل في جعل التعافي منطلقاً لتسريع التنويع الاقتصادي وتعزيز القدرات الوطنية.

وكشف عن حزمة من المشاريع والفرص الاستثمارية تقدر قيمتها بنحو 221 مليار ريال خلال السنوات الخمسة المقبلة، تشمل مشاريع البنية التحتية، بما فيها مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب استثمارات القطاع الخاص في قطاعي العقارات والضيافة.

وقال إن الأزمة أكدت صواب التوجه الذي رسمته استراتيجية التنمية الوطنية الثالثة، موضحاً أن الإصلاحات التي تعزز تنافسية الاقتصاد في الظروف العادية هي نفسها التي تعزز قدرته على الصمود في أوقات الشدائد.

وأعرب عن التعويل على مجلس الشورى لمواكبة المرحلة المقبلة بتشريعات تعزز دور القطاع الخاص وترفع جاذبية بيئة الاستثمار، مؤكداً أن قطر لن تخرج من الأزمة إلا أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع المتغيرات العالمية، بإذن الله.

وشدد على ضرورة التطلع الدائم إلى الأفضل، مع الاستعداد لأسوأ الاحتمالات، وتحمل الجميع مسؤولياتهم، سواء المؤسسات أو المواطنين.

توسعة حقل الشمال وتقدم مشروع غولدن باس وتعزيز الأمن الغذائي

وفي قطاع الطاقة، أكد أمير قطر استمرار أعمال توسعة حقل الشمال للغاز وفق الخطط المقررة، بهدف زيادة الطاقة الإنتاجية للدولة من الغاز الطبيعي المسال.

كما أشار إلى إحراز مشروع غولدن باس في الولايات المتحدة تقدماً ملحوظاً، بالتوازي مع توسع استثمارات قطر للطاقة وشراكاتها الدولية، وتطوير الصناعات البتروكيماوية ومشروعات الطاقة الشمسية وتعزيز الأمن المائي.

وفي مجال الأمن الغذائي، قال إن قطر تصدرت إقليمياً مؤشر صمود النظم الغذائية لعام 2026.

وأضاف أن دعم الإنتاج الزراعي المحلي يتواصل بالتوازي مع تطوير قدرات التخزين والنقل، وتقليل الهدر، والالتزام بالكفاءة الاقتصادية ومعايير الجودة.

تمكين الشباب وترسيخ العربية وتطوير التعليم والتحول الرقمي

وفي محور التنمية البشرية، أكد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أن الاستثمار في الإنسان يمثل أساس تقدم الدول، باعتباره غاية التنمية ووسيلتها.

وأشار إلى التقدم اللافت الذي شهدته المؤسسات التعليمية القطرية، ومن بينها جامعة قطر وجامعات المدينة التعليمية وغيرها من مؤسسات الدراسات العليا، مؤكداً متابعة الدولة باهتمام بالغ تطور قطاع التربية والتعليم، بما يشمل المدارس الحكومية والخاصة وتلبية متطلبات ذوي الاحتياجات الخاصة.

وشدد على ضرورة تزويد المؤسسات التعليمية الشباب بالمهارات التي يحتاجها سوق العمل، إلى جانب الفكر والثقافة اللازمين لمواجهة تحديات العصر، مؤكداً أهمية اقتران مواكبة العلوم والتقنيات الحديثة بترسيخ مكانة اللغة العربية وتعزيز قيم الهوية الوطنية.

وفي مسار التحول الرقمي، أعلن تطوير أكثر من 360 خدمة رقمية جديدة، مشيراً إلى انتقال مشروع قاعدة البيانات المركزية إلى مرحلة التكامل العملي، ليصبح مصدراً وطنياً موحداً وموثوقاً لصياغة السياسات وقياس الأداء.

ووجّه الشيخ تميم باستكمال الربط بين الجهات، وتوحيد معايير البيانات، وحماية الخصوصية.

كما أكد أن كفاءة الإدارة لا تكتمل من دون مساءلة واضحة، مشيراً إلى بدء تطبيق نظام لتقييم الأداء القائم على النتائج وجودة المخرجات.

ودعا القيادات الإدارية إلى تحمل مسؤولياتها في تمكين الموظفين ونقل المعرفة وتأهيل الصف الثاني، وربط الترقية والتطوير بالإنجاز والكفاءة وتكافؤ الفرص.

وحذر من تطبيق هذه السياسات بصورة شكلية لا تغير واقع الإنجاز والكفاءة، مؤكداً أن المطلوب هو الأمانة في عملية التقييم، وأن السياسات والأنظمة لا يمكن أن تحل محل الأمانة في التقييم وأخلاقيات العمل.

تعرضنا لاعتداء إيراني وانتهاك صارخ لسيادتنا والقانون الدولي

وفي الشأن الأمني والسياسي، قال أمير قطر إن بلاده تعرضت لاعتداء على أراضيها من جانب إيران، في انتهاك صارخ لسيادتها ولأحكام القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار.

وأضاف أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية القطرية أدت واجبها في الدفاع عن الوطن، مستذكراً بمشاعر الإجلال الشهداء الذين بذلوا حياتهم دفاعاً عن قطر.

وأوضح أن استمرار الحياة الطبيعية رغم الحرب المستعرة قد يبدو أمراً مفروغاً منه، لكن من الواجب التذكير بأن ذلك لم يكن ممكناً حتى تصوره لولا الله ثم القوات المسلحة، التي واصلت العمل ليلاً ونهاراً للدفاع عن الأجواء والأرض والمياه القطرية.

وأشار إلى أن هذا الصمود لم يكن وليد لحظة الأزمة، بل جاء نتيجة جهود امتدت لأكثر من عقد كامل من الإعداد والاستعداد والتدريب والتجهيز.

وأكد أن الصمود لا يولد في لحظة الأزمة، وإنما هو حصيلة التخطيط المسبق، مشدداً على أن قطر تمكنت، بفضل الله، من الصمود في أصعب الظروف، والخروج من كل أزمة أقوى وأكثر صلابة وعزماً وثباتاً.

وشدد الأمير على أن تمسك بلاده بالحوار والحلول السلمية لا يعني التهاون في الدفاع عن الوطن، كما أن حقها في الدفاع عن سيادتها لا يتعارض مع حرصها على منع اتساع دائرة الحرب.

وقال إن قطر فضلت دائماً حل قضايا الخلاف بالحوار والتفاوض والسبل الدبلوماسية، مؤكداً أن هذا الموقف كان ولا يزال نهج الدولة.

دعوة إلى تعزيز التنسيق الخليجي وتأمين الملاحة في هرمز

وأكد أمير قطر أن الأحداث المؤسفة أثبتت مجدداً الترابط بين أمن المنطقة والعالم، وأن زعزعة الاستقرار في أي مكان لا يمكن عزل تداعياتها عن بقية العالم.

كما شدد على ضرورة استمرار التعاون والتنسيق بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مؤكداً أن أمن دول المجلس وحماية سيادتها واستقرارها أمور لا يمكن تجاوزها أو التهاون فيها.

وأوضح أن هذه التطورات تفرض مضاعفة الجهود لتأمين الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وحماية منشآت الطاقة والمياه والبنية التحتية المدنية.

وأكد استمرار العمل مع الأشقاء والشركاء الدوليين والإقليميين للحفاظ على استقرار المنطقة وأمنها.

غزة إبادة جماعية.. وتحذير من الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس

وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أكد أمير قطر أنها لا تزال في صدارة أولويات بلاده، مشدداً على أن ما جرى في قطاع غزة يعد، بلا جدال، إبادة جماعية، وأن مرتكبيها يجب ألا يفلتوا من المحاسبة.

وحذر من المخاطر الناجمة عن استمرار الممارسات الإسرائيلية العدوانية ضد الشعب الفلسطيني، مشيراً إلى اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية بحماية من الجيش الإسرائيلي، فضلاً عن الاقتحامات المتكررة للحرم القدسي الشريف.

وأكد أن هذه الممارسات تمثل انتهاكات متكررة لأحكام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني.

كما جدد أمير قطر مواقف بلاده الثابتة الداعية إلى إيجاد حلول لأزمات المنطقة في السودان وليبيا واليمن والصومال، من خلال توافقات سياسية شاملة ومنصفة، تحفظ وحدة الأراضي وسلامتها وتحقق مصالح الشعوب في الأمن والاستقرار.

تمسك بالانضباط المالي والمسؤولية الوطنية

وفي ختام خطابه، أكد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أن التجربة أثبتت أن صمود الدولة يقوم على الاستعداد، وتنوع الاقتصاد، وكفاءة المؤسسات، وتكافل المجتمع، ومسؤولية الأفراد.

وشدد على أن التحديات وطنية والمهام مشتركة، وتتطلب من الجميع إتقان العمل وصون المال العام وتغليب الواجب والمصلحة العامة على أي اعتبار.

واختتم بالدعاء أن يوفق الله الجميع لما فيه خير قطر وشعبها.

Exit mobile version