خطبة الجمعة في تركيا.. الأسرة ودور الوالدين أساس ترسيخ القيم الأخلاقية

أكدت خطبة الجمعة في عموم مساجد تركيا، اليوم، أن الأسرة تمثل الركيزة الأساسية في بناء شخصية الإنسان وترسيخ القيم الأخلاقية، مشددة على أهمية دور الوالدين في تربية الأبناء، وتعزيز مشاعر المحبة والرحمة والمسؤولية داخل المنزل.

وأضافت أن الأسرة ليست مجرد رابطة اجتماعية أو شراكة حياتية عابرة، بل هي الملاذ الآمن الذي يجد فيه الإنسان الطمأنينة والدعم، داعية الآباء والأمهات إلى الاهتمام بأبنائهم ومتابعة سلوكهم وعلاقاتهم، بما في ذلك استخدامهم للتطبيقات الرقمية ووسائل التواصل.

ولفتت إلى أن التربية الأسرية تنعكس على المجتمع بأسره، وأن الأطفال الذين ينشؤون في بيئة يسودها الحب والاحترام والتعاون يكونون أكثر قدرة على بناء علاقات سليمة، في حين تترك الخلافات والعنف والإهمال آثاراً نفسية قد ترافقهم طوال حياتهم.

الخطبة:

الأسرة هي المكان الأول الذي يفتح فيه الإنسان عينيه على الحياة، وتتشكّل فيه شخصيته وقيمه. ففي الأسرة يتعلّم الإنسان أن الكلمة الطيبة تكسب القلوب، وأن الرحمة تضمد الجراح.

ويتعرّف فيها إلى معنى الصدق من خلال أقوال كبار السن، وإلى الرحمة من خلال ما يتلقاه من حنان، وإلى العدل من خلال التوازن الذي يسود العلاقات بين الإخوة.

وفي الأسرة يجد القلب الذي أنهكته مشاغل الدنيا سكينته وطمأنينته، مصداقاً لقوله تعالى “وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا”.

الأسرة ليست مجرد اجتماع دنيوي أو شراكة في الحياة تقوم على رغبات عابرة، بل هي الملاذ الأكثر أماناً الذي يلجأ إليه الإنسان طوال حياته.

فالأسرة تعني أن يتولى الأبناء رعاية والديهم عند المرض، وأن يسهر الوالدان إلى جانب طفلهما عندما ترتفع حرارته، وأن يتعانق أفراد العائلة صباح العيد.

ولنتذكر أن دور الرعاية ودور إيواء الأطفال يمكن إنشاؤها، لكن لا يمكن تعويض أم تحتضن طفلها بحنان، أو أب يكون قدوة حسنة له، أو جد وجدة يرويان لحفيدهِما الحكايات.

يتعلّم الأطفال دعاءهم الأول على ركبتي أمهاتهم، ويؤدّون صلواتهم الأولى إلى جانب آبائهم. وفي كنف الأسرة يشاهدون احترام الكبير والرحمة بالصغير، ويتعلّمون التسامح والمشاركة.

كما يدركون أن الكذب ذنب، وأن الاعتداء على حقوق الآخرين أمر عظيم.

وقد قال نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم “ما نحل والد ولده من نحل أفضل من أدب حسن”، أي إن أفضل ما يقدمه الوالدان لأبنائهما هو التربية الحسنة.

وبناءً على ذلك، فإن الأم والأب اللذين يتركان أبناءهما أسرى الشاشات من دون اهتمام أو متابعة، يحرمونهم من هذا الإرث التربوي الثمين.

إن الشعور بالمسؤولية الذي يكتسبه الإنسان داخل الأسرة ينعكس أيضاً على حياته الاجتماعية. فالأطفال الذين يتعلّمون في أسرهم الحب والاحترام والصداقة والتعاون والمشاركة، يصبحون أفراداً صالحين وقدوة حسنة في المدرسة ومكان العمل وفي مختلف مراحل حياتهم.

وفي المقابل، فإن الأطفال الذين يشهدون الشجار والعنف داخل أسرهم، أو ينشؤون في بيئة تفتقر إلى الاهتمام والمحبة، يحملون آثار هذه الجراح معهم طوال حياتهم.

لقد بيّن نبينا الحبيب صلى الله عليه وسلم أن كل واحد منا مسؤول عن أسرته.

ومن مقتضيات هذه المسؤولية أن نعرف من يصادق أبناؤنا، والتطبيقات التي يستخدمونها والوقت الذي يقضونه في العالم الافتراضي، وأن نتابع مدى التزامهم بعباداتهم.

إن الوقت الذي نخصصه لأسرنا، والتضحيات المتبادلة التي نقدمها من أجل بعضنا بعضاً، لها منزلة العبادة.

فمن يدخل منزله تاركاً وراءه تعب يومه، ويخصص وقتاً لأسرته، ويستقبل أفرادها بوجه بشوش، فإنه يحيي سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

أما من يهمل ذلك، فإنه يحرم نفسه وأسرته من الاقتداء بسنة نبينا الكريم.

إن تأسيس أسرة هو درع يحميكم من الذنوب، ونعمة تمنح أرواحكم السكينة والطمأنينة.

كما أن بناء الأسرة يعني إضافة حلقة جديدة إلى الإرث النبوي الذي تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، القائل “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”.

ولنتذكر أن تربية أجيال تنال ثناء نبينا الكريم ستكون سبباً في استمرار صحيفة أعمالنا مفتوحة حتى بعد رحيلنا عن هذه الدنيا.

ونختم خطبتنا بهذا الدعاء الذي علّمنا إياه الله سبحانه وتعالى “رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا”.

Exit mobile version