مدونات TRمميز

العلمانية والليبرالية والإسلامية.. والفهم الخاطئ

العلمانية والليبرالية والإسلامية.. والفهم الخاطئ

إن العالم العربي ومنذ إعلان سقوط الخلافة العثمانية، منقسم إلى 3 تيارات كبرى: العلمانية والليبرالية والإسلاميون.

ولطالما استفاد المستبدون من هذا الانقسام بالتحريش بين هذه التيارات الثلاثة، فما أن يصل تيار معتدل منها للسلطة إلا وتجد أن أدوات المستعمر الأول بدأت بحريش التيارات الأخرى عليه حتى يتم إفشاله وإسقاطه من سدة الحكم، ولعل الشواهد على ذلك كثيرة مثيرة.

ولكن السؤال: هل يمكن الجمع بين هذه التيارات الثلاثة في إطار واحد؟ وحتى نجيب على هذا السؤال لابد لنا من أن نمر مرورا سريعا على كيفية نشأت هذه التيارات.

أما العلمانية والليبرالية فتشكلت إبان الثورة الفرنسية كردات فعل ضد ممارسة الكنيسة.

وأما الحركات الإسلامية السياسية فتبلورت بعد إعلان سقوط الخلافة العثمانية.

ومنذ ذلك الوقت، والصراع بين هذه التيارات في الدول العربية على أشده، صراع يعتبر أحد أسباب تمكين الاستبداد في الدول العربية بل إن الحكومات المستبدة لطالما استخدمت هذه التيارات في صراعاتها مع بعضها عملا بقاعدة "فرق تسد".

قطاع كبير من الليبراليين العرب فهموا أن المراد بالحرية، دعوة للتفسخ والانحلال الأخلاقي

 

أما العلمانية فتعني فصل مؤسسات الدولة عن السلطة الدينية بمعنى ألا يكون القرار بيد تيار ديني ضد بقية التيارات، أو هي أن تكون السلطة على مسافة واحدة من جميع الأديان والمذاهب في البلد كما يعرفها الطيب أردوغان.

وهي بهذا المعنى تشترك مع الإسلام الذي لا يرفض أصل هذه الفكرة، فالخلاف بين العلمانية والإسلام يكمن في التفاصيل لا في الأصل.

العلمانية لا تعني محاربة الدين وعزله في دور العبادة فقط، كما يفهمها قطاع عريض من العلمانيين العرب وللأسف.

وهذا الفهم المغلوط هو من اضطر الحركات الإسلامية لتكفير العلمانية، إذ حكموا عليها بناء على ممارسات العلمانيين العرب.

أما الليبرالية فهي دعوة للحرية والمساواة تعنى بفرض سلطة القانون على جميع أبناء البلد بلا تمييز بينهم.

وهي أيضا دعوة للحرية الشخصية فلا تسمح للقانون بتقييد الحريات الشخصية للأفراد.

وهي أيضا لا تختلف مع الإسلام في أصلها فلا يمكن القول إن الإسلام يرفض الحرية الشخصية المضبوطة بضابط الأخلاق ولا يرفض فكرة تطبيق القانون على جميع فئات المجتمع.

لكن للأسف فإن قطاعا كبيرا من الليبراليين العرب فهموا أن المراد بالحرية، دعوة للتفسخ والانحلال الأخلاقي، ولذلك كانت ردة الفعل شديدة من التيار الديني ضد الليبرالية، مع العلم أن الليبرالية لا تدعو للحرية المطلقة وإنما تقيدها بضابط الأخلاق والأعراف العامة.

وهذا الضابط لا يتعارض في أصله مع الشريعة الإسلامية إذ أن الأخلاق في غالبها إن لم تكن كلها، مرجعها ديني بامتياز، فالعفة والحشمة وغيرها من فضائل الأخلاق هي مما يحث عليه الإسلام، وتشترك الليبرالية في أصلها معه.

وبرأيي فإنه يمكن الجمع بين هذه التيارات الثلاثة في إطار واحد ألا وهو الدولة المدنية ذات المرجعية الدينية، وأعني بها أن تجتمع التيارات الثلاثة على النظام البرلماني الكامل فيتم تشكيل الأحزاب، والحزب الفائز يشكل حكومته ويدير البلاد مع إنشاء محكمة نقض شرعية لها قوة المحكمة الدستورية ويكون من صلاحياتها نقض القوانين التي تعارض صراحة الشريعة الإسلامية.

فمثلا، لو جاء قانون يسمح بترخيص دور البغاء أو السماح بالخمور فيكون من حق المحكمة الشرعية نقض هذا القانون.

أعتقد أن المطلوب من هذه التيارات الثلاثة الالتقاء على هذا المشروع كحل بديل للاستبداد الذي نهب خيرات الدول العربية واستباح دماء الشعوب واغتصب أموالهم.

أعتقد أن هذه أقرب صيغة يمكن أن تجتمع عليها هذه التيارات الثلاثة، وأنه لابد من كل تيار أن يقدم شيئا من التنازل ويقبل بهذه الصيغة كحل بديل للاستبداد الموجود حاليا.

الوسوم
اظهر المزيد

صلاح عبد الرحيم المهيني

طالب دكتوراه في السياسة الشرعية

مقالات ذات صلة

إغلاق