مدونات TRهام

رهانات خاسرة في معركة الانتخابات التركية

رهانات خاسرة في معركة الانتخابات التركية

الانتخابات التركية المبكرة التي ستجري في 24 حزيران/يونيو القادم هي معركة سياسية ذات أبعاد داخلية وخارجية، فالحزب الحاكم في تركيا وهو حزب العدالة والتنمية يذهب إلى انتخابات مبكرة وفق حساباته السياسية المرتبطة والمتأثرة بالسياسات الداخلية الاقتصادية والسياسية، وبالسياسات الخارجية وتحديداً ما يتعلق منها بالاستدارة التركية التي فرضتها سياسة الولايات المتحدة المريبة حيال تنشيط دور تنظيم PYD في سوريا وأثر ذلك على الأمن القومي للدولة التركية، وكذلك تطورات الصراع السوري وما أحدثه من تحالفات أو صراعات معلنة وغير معلنة.

على الصعيد الداخلي فإن تقريب موعد الانتخابات لأكثر من عام يعني أن حسابات حزب العدالة والتنمية ترفض أن تجري مياه كثيرة متوقعة، تحت جسور برنامجه الوطني بشقيه الاقتصادي والسياسي، فالشق الاقتصادي والمعلن عنه ببناء أكبر مطار بالعالم في إسطنبول، و بشقّ قناة البوسفور لعبور السفن، إضافة إلى مؤشر النمو الاقتصادي ووجود عوامل اقتصادية أخرى، كل ذلك سيجعل من العربة الاقتصادية التركية تمشي باتجاه وضع الاقتصاد التركي في مرتبة متقدمة، وهذا ما أعلنه الرئيس رجب طيب أردوغان حين قال :"ستكون تركيا من ضمن الدول العشر الأولى اقتصادياً في العالم".

أما الشق السياسي فهو تأمين إدارة شؤون البلاد بشكل مستقر ليتابع الاقتصاد تقدمه وهذا ينطبق على دور تركيا في سوريا وعليها وعلى علاقات التحالف الناشئة بينها وبين روسيا حيال ملفات عديدة.

تقريب الانتخابات أمر على درجة كبيرة من الدقة في الرؤية الشاملة للمشهد السياسي التركي داخلياً وخارجياً، فهو أولاً مباغتة للخصوم السياسيين زمنياً والذين لم يُدخلوا في حساباتهم هذه المعركة المبكرة، والأمر الثاني أن ليس لدى المعارضة التركية غير الموحدة والمتنافسة فيما بين بعضها بعضاً برنامج سياسي واقتصادي يستطيع مضاهاة ومنافسة برنامج حزب العدالة والتنمية.

فالناخب التركي حين يذهب إلى صندوق الانتخابات يذهب من أجل أملٍ ملموسٍ في تطوير حياته واستقرارها، وهذه الحال لم يصنعها سوى حزب العدالة والتنمية الذي نقل البلاد إلى مرتبة متقدمة اقتصادياً على المستوى العالمي.

نهج حزب العدالة والتنمية يعتمد على تطوير الاقتصاد والسياسة في تركيا بما يخدم تحول هذا البلد إلى مصاف الدول المتقدمة

 

تقريب موعد الانتخابات يعني لحزب العدالة تفويت فرصةٍ على أعداء تركيا من خلال تقليص المساحة الزمنية التي سيُعدّون معركتهم من خلالها، لذلك فإن استهداف الليرة التركية بقيمتها عبر عمليات المتاجرة بها يدلّ على رغبة بزعزعة الوضع الاقتصادي في البلاد قبل إجراء الانتخابات وهذا دليل عدائية ليس ضدّ الحكومة التركية وخططها الاقتصادية فحسب بل ضدّ الشعب التركي الذي يجهد في بناء اقتصاد دولته القوي ما ينعكس عليه رخاءً وقوة.

لذلك يمكن قراءة خطوة البنك المركزي التركي الاستثنائية برفع أسعار الفائدة خطوةً عاقلةً للحد من التضخم الناتج عن موجة البيع الحادة لليرة التركية والتي خسرت بعضاً من قيمتها وقدرتها الشرائية.

إن رفع أسعار الفائدة سيخفّض التضخم ويجعل سعر الليرة تركيا أفضل وتستطيع المواجهة.

والنظر إلى الوضع العام التركي في انتظار معركة الانتخابات وما سينتج عنها من ميزان قوى سياسي جديد يُظهرُ للمراقبين الحياديين أن معركةً حقيقيةً تجري بين نهجين تركيين، النهج الأول هو نهج حزب العدالة والتنمية وأنصاره، وهو نهج يعتمد على تطوير الاقتصاد والسياسة في تركيا، بما يخدم تحول هذا البلد إلى مصاف الدول المتقدمة.

هذا النهج الذي سار بتركيا منذ عام 2002 نحو مواقع فاجأت المراقبين العالميين على صعيد التنمية وبناء الدولة القوية.

أما النهج الثاني والذي لا يستطيع تقديم برنامج منافسٍ لبرنامج حزب العدالة والتنمية فلن يقدر أن يقدم مشهداً مقنعاً للناخب التركي الذي يرى بأم عينيه ويسمع التصريحات والتنافسات بين خصوم حزب العدالة.

إن القول أن رهانات أعداء تطور الدولة التركية هي رهانات خاسرة يبدو قولاً قريباً من الحقيقة لأنها لا تقرأ فعالية الداخل التركي الذي نزل لحماية دولته من عبث الانقلاب الذي حدث وفشل في 15 تموز/يوليو 2016 وهي رهانات لن تستطيع تخريب تجرية قديرة من خلال افتعال أزمة هنا أو أزمة هناك.

مثل هذه الرهانات ستجد نفسها في وحل الفشل الذريع فالناس في تركيا لا تعيش في أوهام الشعارات والتخويف من "استفراد" أردوغان بالقرار القيادي للدولة، فهذا الرجل أثبت دائماً أن مصلحة الأتراك العليا هي الهمّ الوطني الأول.

الناس لا تعيش في الأوهام بل تحيا عبر ملمس الانجازات الواقعية اقتصاديا وسياسياً واجتماعياً وهذا ما أنجزه حزب العدالة والتنمية التركي، فهل لدى خصومه في بقية الأحزاب ما ينافسون به وعليه أم أنهم يعتقدون أن حرب التخويف من أردوغان ستكون باباً لفتح سياسي لهم، لذلك أعتقد أنهم يقرأون التطور في البلاد بطريقة تغلب عليها الرغبات وليس الحقائق الملموسة.

الوسوم
اظهر المزيد

أسامة محمود آغي

أديب وإعلامي سوري

مقالات ذات صلة

إغلاق