مدونات TRمميز

رهانكم على هزيمة "قبلة المظلومين" تركيا.. خاسر

يدرك الخصوم المتجددون لتركيا ولدورها في المنطقة أن الدعوة المبكرة لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 24 حزيران/يونيو الجاري، لم تأت من فراغ، فالقيادة التركية وعلى رأسها الرئيس رجب طيب أردوغان باتت مدركة لخطورة المرحلة التي تمر على المنطقة في ظل المتغيرات المتسارعة والصراع القائم بين محورين أساسيين، محور الشراكة مع مكونات المنطقة وحماية إرثها التاريخي، ومحور تقوده أبوظبي وملحقاتها لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء وهو محور الثورات المضادة على خيارات الشعوب في التحرر السياسي والعدالة الإجتماعية.

تحرص تركيا وحلفاؤها السياسيون والشعبيون على إبقاء الخيط الرفيع في التعاطي مع الرياض وأبوظبي، على الرغم من دورهما في محاولة تقويض استقرار تركيا ابتداءً من أحداث تقسيم مروراً بمحاولة الانقلاب الفاشلة وليس انتهاء بمحاولة الانقلاب الإقتصادي التي تمارسه لمحاصرة أردوغان قبيل الانتخابات المبكرة.

محاولة انقلابية جددية تسعيان من خلالها لكسر حضور أردوغان السياسي ومشروعه الداخلي، ولعل تصريح وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو أن "هناك بلدين مسلمين يقفان وراء الحملة التي استهدفت مؤخراً الليرة التركية وأدت إلى هبوطها الحاد مقابل الدولار الأمريكي"، خير برهان على صبر أنقرة على التيه العربي والانحطاط السياسي لبعض دول المنطقة وأدواتها.

تدرك أنقرة أنها أمام تحديات جسيمة لا تقل خطورة عن المنزلقات التي مرت على المحيط الملتهب ومحاولات جرها لأتون اللهب المشتعل في سوريا والعراق، وتعي دون شك أن المحاصرة المستمرة وسياسة الحشر في الزاوية لن تمر دون تبعات لاحقة، في حين تصر القوى الكبرى بداية على تحجيم أردوغان ودور حزبه في الحياة السياسية لفرض توجهات وشروط على اللاعب الأساسي الجديد في الساحة الإقليمية.

وأيضا لعل الأحلام الإسرائيلية بعودة تركيا إلى المربع الأول من التطبيع والسير في الركاب باتت تراود دولا أخرى لتمرير صفقة القرن التي بدأتها الولايات المتحدة بنقل سفارتها للقدس المحتلة وتحضير الأجواء العربية لفكرة التطبيع والموافقة على وجود "إسرائيل" بيننا دون استغراب أو رفض حتى في داخلنا لتصبح "إسرائيل" أمراً واقعاً.

أما على صعيد الشعوب المضطهدة في عالمنا المتوحش، ففرضت تركيا نفسها قبلة للمظلومين ورفعت لواء الدفاع عن شعوب المنطقة، يكفي أن تمشي في شوارع إسطنبول لتسمع العرب يتبادلون الحديث فيما بينهم دون خوف من نبذ المجتمع التركي لهم.

يكفي أن تمشي في شوارع إسطنبول لترى مئات الملتقيات الثقافية العربية المتواجدة في تركيا، للسوريين والمصريين واليمنيين وغيرهم، لتدرك فعلاً أن تركيا نصبت نفسها وكيلة دفاع عن الشعوب دون إذن من سادة الاستبداد، ودون خجل من مسائلة العالم عن أحقيتها في ذلك متحملة كل الضغوط التي تمارس عليها كي تتخلى عن هذا الدور المحوري الناصع بالبياض.

كما وأسست تركيا مصداقية وشفافية مع حكومات عربية رفضت السير في محور الثورات المضادة كالكويت والأردن والمغرب وتونس وغيرها من دول المنطقة العربية، إيماناً منها بصيغة التعايش والتكامل مع المحيط العربي والإسلامي بدلاً من سياسة الشقاق والنزاع والتجريح ونكش الماضي.

إن كل محاولات إيقاف قطار التجديد السياسي والفكري والاقتصادي والتي مضت فيه تركيا كأستاذة في جمع التطور والحداثة مع قيم الإسلام الراقي، لن تجدي نفعاً وحتى لو استخدمت كل أساليب التطويق والخنق والتغريد التافه والانتقاد المفيد وغير المفيد واستخدام متفهمني النخبة الرخيصة وفتح الهواء لمحللي السخافة والفراغ والأضاليل، يكفي تركيا أنها ستحتفل بالديمقراطية مهما كانت نتجية الانتخابات، في حين أن الدول المنظرة والمحرّضة لم تجرب معنى الديمقراطية والحرية وحق الشعب في الاختيار، يكفي مساحة الحرية والتنافس الشريف بين الخصوم في تركيا في حين أن سجون الأعراب مليئة بالنخب الواعية والراقية والتي تساهم بالنهضة الفكرية.

ستنتصر إرادة أشقائنا في تركيا وستخسر دون شك أدوات الحصار والجهالة ومنع الإستيراد.

الوسوم
اظهر المزيد

صهيب جوهر

صحفي وكاتب لبناني

مقالات ذات صلة

إغلاق