مدونات TRهام

بعد أيام.. انتخابات رئاسة العالم أم انتخابات رئاسة تركيا

يتابع العالم التحضيرات التي تسبق موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تركيا، والتي ستكون يوم 24 حزيران/يونيو الجاري.

ويراقب العالم عن كثب تصريحات المرشحين للرئاسة، ويظن المتابع للوهلة الأولى أن ما يجري ما هو إلا تحضيرات لانتخابات رئاسة العالم وليس رئاسة دولة.

ومن الغريب في الأمر أن الانتخابات التركية جائت هذه السنة مع موعد الاستحقاق الرياضي العالمي (كأس العالم) لنجد أن أخبار الانتخابات في تركيا وتطوراتها باتت عناوين للصحف والقنوات العالمية، التي تتجاهل التحضيرات لكأس العالم، الذي يكون عادة أكبر حدث يتداوله الإعلام، فهل هذا يثبت للمتابع أن تركيا أهم دوليا من أي شيء آخر.

تشكل تركيا اليوم ملاذا آمنيا للمضطهدين في العالم، وخصوصا المسلمين منهم، من بورما إلى سوريا والعراق واليمن وليبيا وفلسطين ومصر وغيرها الكثير من الدول.

تركيا اليوم أمل وملاذ وملجأ هؤلاء، في خضم نظام عالمي جائر متوحش دموي.

تركيا والتي شهدت في السنوات الـ 15 الأخيرة نهضة كبرى شملت جميع نواحي الحياة الاقتصادية والعلمية والمعيشية والثقافية وحتى الرياضية بقيادة حزب العدالة والتنمية المتصالح مع تراث أمته والملتزم بقيمها في إسلام منفتح يحمل رسالة إعمار الدنيا والفوز بالآخرة.

تركيا شكلت نموذجا بديلا لديمقراطية غربية عرجاء تحمي مصالحها المادية بالقوة الهوجاء بعيدا عن القيم المثلى العليا.

الغرب الناسي والصافح عن دم الشاب الإيطالي ريجيني، الذي قتل تعذيبا في مصر، والغرب الذي يتعايش مع مجازر التهجير والإبادة للمسلمين السنة في العراق وسوريا وجرائم رجالات حفتر الإنسانية المصورة والموثقة في ليبيا، لا ينفك يتحدث عن "دكتاتورية" أردوغان و"تجاوزاته" بالرغم من أنه زعيم منتخب بانتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية، لا كحلفاء واشنطن والغرب من المستبدين والطغاة، الذين يسجنون المفكرين والحقوقيين والكتاب والدعاة مع تعذيبهم وانتهاك كرامتهم وحقوقهم الإنسانية.

أدرك الأتراك أن هناك قوى إقليمية تُستخدم من قبل "إسرائيل" وجهات دولية أخرى، تستهدف تركيا وتخطط للنيل منها والكيد لها في الفترة الانتقالية التي تسبق الانتقال إلى مرحلة النظام الرئاسي بعد الانتخابات مباشرة.

هذا الإدراك دفع أردوغان للتعجيل بالانتخابات ليقطع على تلك القوى الطريق وليصل بتركيا إلى مرحلة استقرار سياسي في مواجهة مكائد تحاك، وأحداث إقليمية مضطربة وتطورات متسارعة وحروب متلاحقة.

غربيا وإسرائيليا، لا بد من شيطنة أردوغان وإسقاطه بأية طريقة وبأي ثمن، وبمساعدة دول تمثل أدوات للصهاينة وقوى دولية متنفذة في المنطقة تنشر الخراب والدمار ومحاربة الربيع العربي وسعي شعوب المنطقة للحرية والكرامة.

وكل ما سلف لأسباب كثيرة منها:

• تركيا المستقرة سياسيا والمزدهرة اقتصاديا تشكل نموذجا ملهما للدول العربية والإسلامية في سبيل التحول من الاستهلاك والاعتماد على الغير إلى الإنتاج والإكتفاء الذاتي، ما يشكل تهديدا للمصالح الغربية.

ذاك الغرب الذي يعتبر سرقة ونهب ثرواتنا جزءً من مصالحه، التي في سبيل حمايتها يشن حروبا تدميرية شاملة تحول شعوبنا إلى لاجئين ومشردين.

• تركيا الديمقراطية تسقط أكذوبة أن "إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة" والتي يكررها الغرب زورا وبهتانا، الغرب الذي يدعم الطغاة والدكتاتوريات في بلادنا ثم يعيّرنا بهم وقت يشاء ووفقا لمصالحه!

• تركيا المستقرة والقوية قادرة على رفض المظالم وما يسمى بصفقة القرن التي يشارك فيها سفهاء عرب متنازلين عن المقدسات الإسلامية وأهمها القدس والأقصى والأرض والعرض، في سبيل إرضاء إدارة أمريكية متهورة تفتقد للأخلاق وتفتقر للقيم.

• تركيا المستقلة والناهضة قادرة على إفشال مخططات تقسيم المنطقة وتفتيتها وإبقائها في مرحلة حروب عبثية وساحة لتقاسم النفوذ والمصالح الدولية.

للأسباب أعلاه ولغيرها وعلى خلفيات أحقاد صليبية ومورثات تاريخية، تُشَن على تركيا حروب إعلامية واقتصادية شرسة بعد فشل خيار القوة بسقوط الانقلاب العسكري في 15 تموز/يوليو 2016، والذي أدى لتطهير المؤسسة العسكرية التركية من المرتبطين بقوى خارجية وبالتالي تحصينها.

الحرب الإعلامية بدت واضحة بتناغم من الإعلام العربي الليكودي والغربي المتصهين، والحرب الاقتصادية وعلى جبهات عدة تستهدف الليرة التركية والاقتصاد التركي الصاعد بقوة وثقة من خلال تخويف المستثمرين وإرعابهم.

هذه الحروب ستشتد مع اقتراب موعد الانتخابات لإسقاط النموذج التركي الناجح ومن ثم السعي لإقامة دولة فاشلة تابعة لهم قابلة للتقسيم والتفتيت، كي تبقى المنطقة تحت استعمار وانتداب بصور جديدة وأنماط حديثة.

نعم إن ما يحدث في تركيا، ليست انتخابات داخلية وتدوال للسلطة، وإلا لما شهدنا هذا الاهتمام العالمي غير المسبوق... إنها أيام فاصلة لها ما بعدها.

فهل نكتفي دولا وقوى وشعوبا بالترقب أم علينا الوقوف مع تركيا إعلاميا وسياسيا واقتصاديا من خلال ضخ الاستثمارات ومواجهة حروب الحاقدين، علينا الثقة بالخيار التركي والرهان عليه بلا تردد ولا تعثر.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق