مدونات TR

15 تموز موقعة وليست معركة

ليلة ملحمية بكل المعاني، سطر فيها الشعب التركي صفحات في كتاب عز هذه الأمة، فالدماء في تلك الليلة كانت الأرخص، بعد أن تسابق الشعب في سكبها على مذابح الحرية، قربانا لمستقبل أفضل لأبنائهم، وأملا في أن لا يروا ما رآه أباؤهم تحت حكم العسكر، فسنين حكم العسكر كانت الأسود والأشد على الشعب التركي، فالفساد المنتشر وسوء الخدمات وانعدام الأمن وتفشي الجريمة بعد أن أشرف المتنفذون على عصابات منظمة تعمل في كل الموبقات، خدمة لأسيادهم في الغرب، باتت سمة تتسم بها تركيا، ولا عجب فبريطانيا العظمى التي أشرفت على تجارة الأفيون في الصين لتدجين شعبه تعمل هي وغيرها على إفساد تركيا حتى لا تقوم لها قائمة بعد إسقاط خلافتها للأمة الإسلامية.

انتصر الشعب هذه الليلة، انتصر على الرجعية والدكتاتورية، وانتصر على حكم العسكر، لكنه انتصر أيضا على الإمبريالية العالمية، التي وقفت من وراء الستار خلف محاولة الانقلاب الفاشلة، ولم يتحرك مدعي المبادئ ومصدري الشعارات من الغرب للوقوف مع الحكومة الشرعية في تركيا، إلا بعد أن تأكدوا أنهم خابوا وخاب مسعاهم وتبوءوا من الهزيمة منزلا، لكن الأشرار لا يملون ولا يكلون، فإن خابت لهم خطة سعوا إلى أخرى، فالحقد الذي يملأ جنبات صدورهم لن يجعلهم يهدؤون، وهو ما حدث بالفعل، ولقد حذرت من موجة جديدة بعد أسابيع من محاولة الانقلاب الفاشلة، في مقال بعنوان (موجة ثانية من الانقلاب تضرب تركيا) تحدثت عن أشكال أخرى من محاولات الانقلاب ستضرب تركيا، على شاكلة زعزعة الاستقرار بعمليات إرهابية، أو حرب اقتصادية محتملة، وصدق حدسي، بعد أن ضربت تركيا بعض العمليات الإرهابية، كان الهدف منها ضرب الاستقرار وإظهار الحكومة على أنها ضعيفة، ومن ثم تمهد هذه الضربات إلى المرحلة الثانية وهي ضرب الاستثمارات وتراجع إرادات السياحة، وهما عصبا الاقتصاد التركي، لكن ضربة اقتصادية مباشرة من الغرب وأذنابه في الخليج بسحب مليارات الدولارات العاملة في تركيا، لم أكن أتوقعها، لأنني لم أكن أتوقع أن الغرب بهذا الغباء، لكن وفيما يبدو أن الحقد أعمى قلوبهم فطمس على عقولهم، فكشفوا عن وجههم الذي طالما جملوهم بمساحيق الشعارات وكلمات الدبلوماسية عن الشراكة والتحالف.

ولن يقف الغرب وأذنابهم عند حرب الدولار وسحب الاستثمارات أو دعوة براميل النفط لشعوبهم بعدم الاستثمار في تركيا أو الذهاب إليها في سياحة، بل يسعون على محاور عدة الآن لإضعاف المجتمع التركي نفسه، في موجة جديدة من موجات الانقلاب، بزرع الشقاق بين أطياف المجتمع من ناحية وبينهم وبين ضيوفهم من ناحية أخرى، كما أنهم يسعون على محور آخر بزرع عناصر موالية لهم داخل الحزب الحاكم وأحزاب أخرى من أجل أخذ البلاد إلى منعطف لم تكن لتذهب إليه، في ظل إدارة عاقلة من متصدري المشهد السياسي من رؤساء الأحزاب، العارفين لقواعد اللعبة والمحافظين على عدم خرقوها، أما المحور الثالث فهو ضرب استقرار الحزب الذي بنا تركيا الجديدة وحقق لها إنجازات لم تكن لتحلم بها تحت حكم أي حزب آخر ، ولقد جرب الأتراك قبلهم الكثير فلم يروا فيهم خيرا، فحزب العدالة والتنمية، وبحق جعل تركيا بين مصاف الدول الكبرى رأسا برأس وسيادة بسيادة.

الخامس عشر من تموز موقعة في معركة كبيرة بين الحق والباطل، بين من يريد لوطنه وشعبه الخير والنهوض، وبين من يريد أن يظل هذا الشعب خاضعا خانعا مستخدما، فائدته الوحيدة استهلاك السلع الغربية، لتتضخم ثروات الغرب ويفتقر، إنها موقعة تتبعها مواقع، والرهان على الشعب ووعيه الذي ظهر في الخامس عشر من تموز، كما أن الرهان على الساسة في الحكم أو المعارضة، فلطالما كان العلَم، جامعا للأتراك، هو الهدف والغاية والسبيل، فتركيا أولا وتركيا أخيرا، الظرف لا يسمح للمناكفات السياسية أو الاجتماعية، الوقت يفرض العمل واليقظة وبناء جيل واعي يفهم تحديات المستقبل ومصيره، فإن لم يأخذ بأسباب القوة، فالتحديات كبيرة والأمر جلل وتركيا أمل أمة إن هي نهضت نهضت أمتنا.

زر الذهاب إلى الأعلى