مدونات TR

الصمت السياسي.. تصريح بليغ يصل صداه للشمال السوري

بعد أن وصل الصبر التركي تجاه الانفصاليين الإرهابيين شرقي الفرات إلى منتهاه، وذلك واضح من خلال تصريحات عديدة ومتنوعة صادرة عن القيادة السياسية التركية، وعقب محادثات أمنية طويلة وحسّاسة سواء الأخيرة منها في العاصمة التركية أنقرة أو ما سبقها بين الحكومات الثلاثة (تركيا أمريكا روسيا) طوال بضع سنوات والتي كانت تركيا من خلالها تسعى للجمع الانفصاليين الإرهابيين.

وما أن أعلن عن اتفاق تركي ـ أمريكي يؤكد وصول الطرفين لصيغة حلّ، حتى تنفست تركيا الأمان على أمنها القومي من خلاله، على أن يكون أحد الأسباب المفصلية التي تزيد العلاقة بين الدولتين متانةً.

لكن وعلى الرغم من الاتفاق، والذي نصّ على إنشاء مركز العمليات المشتركة مع الولايات المتحدة، وعلى الرغم أيضاً من وصول وفدٍ أمريكي إلى مدينة شانلي أورفا التركية، والتي سيكون فيها المركز المشترك، والذي يعني بطبيعة الحال أن الخطوات العملية للاتفاق ستبصر النور قريباً كما خُطط لها الأسبوع الماضي، إلا أن الصمت الأمريكي وإن كان الصمت الروسي أيضاً محط ريبة، ملاحَظ سواء من ترامب أو من المؤسسات الأمريكية.

من شأن الاتفاق الجَلل أن يغير الوضع الجيوسياسي للمنطقة برمتها، ولذلك فإن الصمت الأمريكي تجاهه له إيقاعه وله ما بعده، حيث وباستقراء ومتابعة التصريحات الأمريكية حتى على أقل الأمور أهمية، نجد أن واشنطن لا تترك شاردة ولا واردة على هذا الكوكب إلا وتعلق عليها كونها ترى نفسها حاكمة على الدول كلِّها.. فلماذا هذا الصمت هنا؟!!

يبدو لي أن هذا الصمتَ مقصودٌ، وأنه يقول الكثير في طياته، وأقرأ فيما أقرأ فيه عدم الرضى عن الاتفاق الآنف الذكر، وما كان الإعلان عن ذلك الاتفاق إلا جرعة مخدر لأنقرة، وأن واشنطن لا بد لها من شرذمة تصيد لها ما ترغب فيه من ثروات كثيرة شمال شرقي سوريا من جهة، وتستخدمها كوسيلة تقض مضجع الأتراك من جهة أخرى فيما لو قدمت تركيا الطاعة للبيت الأبيض.

ولسائل أن يسأل: ما الذي يجبر الطاغوت الأمريكي على الإذعان لطلب تركيا بإنشاء غرفة عمليات تمهد لمنطقة آمنة شرقي الفرات وهي في نفس الوقت لا تريد لذلك الأمر أن يتجسد واقعاً؟
الجواب سهل ممتنع، إذ أنّ أمريكا لا تريد أن تَدخل في مشكلات الآن مع تركيا كونها مقبلة على انتخابات رئاسية أولاً، ولأنها لا تريد أن تذهب تركيا بشكل كلي إلى المعسكر الشرقي والذي تمثله روسيا، سيما بعد شراء تركيا للمنظومة الدفاعية الجوية من موسكو، أي أن أمريكا لا تريد لتركيا أن ترتاح، وفي الوقت عينِه لا تريد خسارتها بالمطلق كون أنقرة لها ثقلها الإقليمي في عدة ملفات ليس أولها الملف السوري وليس آخرها أنها حامية الجهة الجنوبية للناتو.

وبناء على ما سبق، يجب على أنقرة أن تكون جاهزة لجميع الاحتمالات في المستقبل القريب أو البعيد حتى، فهي وحدها ولأسباب عديدة “الصديق/العدو” لواشنطن وموسكو.

مهند حافظ

صحفي سوري مهتم بالشأن التركي والشأن السوري، لا أنتمي لأي حزب أو فكر، وآرائي تمثل وجهة نظري فقط
زر الذهاب إلى الأعلى