حالة من الحراك الشعبي يستمر بها الشارع اللبناني منتفضا بوجه تردي الأوضاع الاقتصادية، وسط اصراره على أن تستجيب الحكومة لمطالبه بالإصلاح وتحسين الأوضاع ومحاسبة المسؤولين المتهمين بالفساد.
والخميس الماضي، اندلعت الشرارة في لبنان احتجاجا على قرار الحكومة اللبنانية فرض ضرائب جديدة، توسعت لتشمل مطالب إصلاحية أخرى جعلت الحكومة تعيد حساباتها فيما يخص الانصياع لرغبات ومطالب المحتجين.
ويلقي المتظاهرون اللبنانيون باللوم على حكومة بلادهم في إيصال الأوضاع إلى تلك الحالة التي يرافقها تراجع في سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل العملات الصعبة، كل ذلك جعل الشارع اللبناني ينتفض بمعظم فئاته مطالبا بالإصلاح والتغيير.
وعلى الرغم من أن الحكومة اللبنانية اجتمعت، اليوم الإثنين، وأقرت عددا من المطالب التي كان ينادي بها المحتجون سعيا منها لامتصاص حالة الحراك، خشية توسعها وامتدادها بشكل أكبر، إلا أن لسان حال الشارع بحسب مراقبين هو أنه “لم يعد هناك ثقة من المحتجين تجاه حكومة بلادهم”، الأمر الذي ينبئ باستمرار التظاهرات والثورة في وجه الفساد والفاسدين.
ووسط تلك الأحداث تطفو على السطح أسئلة رئيسة ومن أبرزها، هل فعلا دخل لبنان على خطى ثورات الربيع العربي؟ وهل بات طريق العودة عن تلك الاحتجاجات أمرا مستحيلا؟
وفي هذا الصدد قال رئيس تحرير موقع جنوبية اللبناني، الصحفي علي الأمين لـ”وكالة أنباء تركيا”، إن “لبنان يشهد حركة احتجاجات جديدة لا تشبه لا شكلا ولا مضمونا أيا من مثيلاتها في السابق”.
وأضاف الأمين أن “قوة هذه الاحتجاجات أنها تنبع من الشعب اللبناني الذي أعلن بوضوح الخلاصات الآتية وهي، سقوط الطبقة الحاكمة، بحجم الحشود التي لم يشهدها تاريخ لبنان منذ نشوئه، الخطاب الحاسم في إسقاط منظومة الفساد الحاكمة التي أسقطت الدولة، وأيضا في التأكيد على الهوية الوطنية التي فضحت كل الشعارات الطائفية والفئوية والحزبية الخادعة”.
وأشار الأمين إلى أن “الاحتجاجات أو هذه الثورة اللبنانية النابعة من آلام الناس وأوجاعهم الواحدة، يميزها عن تجارب الماضي، أن أحدا لم يستطع ادعاء استيعاب مضمونها ولغتها، لأنها تعلم الجميع وتتعلم من كل ما سبقها من احتجاجات وحروب وثورات، وتتطور في كل يوم بل في كل ساعة”.
وختم الأمين قائلا إن “هذه الاحتجاجات أسقطت الوعي السياسي الزائف الذي دمر لبنان، وها هي تعيد رسم الوعي الوطني الجديد على طريقتها ولن تتوقف، على رغم تربص السلطة المتجذرة في القمع الصارخ، وذلك القمع المقنع الخبيث في نظام المافيا الطائفي”.
وحسب مراقبين فقد أعلنت الحكومة اللبنانية حالة الطوارئ الاقتصادية لحين إيجاد الحلول الناجعة لتلك التطورات والتصعيد المستمر، ورغم أنها تراجعت عن فرض رسوم على خدمة “الواتس آب” إلا أن الاحتجاجات باتت مشتعلة وازداد توافد المتظاهرين إلى الساحات والشوارع.
من جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي سامر خليوي لـ”وكالة أنباء تركيا” إن “هناك بوادر تشير إلى إنضمام الشعب اللبناني إلى ثورات الربيع العربي”، مضيفا أنه “من المبكر الحكم عليها بدأت بمطالب اقتصادية ثم تحولت لمطالب سياسية، فإذا استمرت المطالب السياسية بعد تحقيق الاقتصادية ولَم يتراجع الحراك عن مطالبه واستمرت مشاركة كل المناطق وكل الطوائف بهذه الحالة، نستطيع القول إن لبنان وصلها الربيع العربي”.
ورأى خليوي أن “نجاح هذه الثورة في لبنان يتوقف على عدة عوامل أولها تعامل الحكومة اللبنانية والجيش والأمن مع هذه الثورة، ومدى تدخل حزب الله المدعوم إيرانيا لقمع هذه الثورة التي عرته وعرت من معه لأول مرة، وعلى ردة فعل دول المنطقة والمجتمع الدولي على الحراك الحاصل، وأخيرا مدى نجاح التشويه الذي سيسلكه أعداء الربيع العربي في لبنان، و فشلهم سيعني الكثير لاستمرار ونجاح الثورة” .
ولم تنفع الورقة الإصلاحية التي تقدم بها رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري عقب اجتماع الحكومة المطول اليوم بخصوص مناقشة مطالب الشارع اللبناني، إذ واصل المتظاهرون تواجدهم في الساحات العامة معبرين عن عدم ثقتهم بالحكومة إلى حين تنفيذ المطالب على أرض الواقع.
ونقلت الوكالة الوطنية للإعلام (وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية)، عن عدد من المحتجين عقب كلمة الحريري أن “ما أقر هي حقوق للشعب اللبناني، وأن المطلب يبقى تغيير هذه الطبقة السياسية التي تم فقدان الثقة بها”، وقال البعض الاخر، “إن المسؤولين لطالما أعطونا وعودا ولم ينفذوها فكيف سنصدقهم اليوم”.
يشار إلى أن من أهم ما جاء في الورقة الإصلاحية التي أعلنها الحريري عقب اجتماع الحكومة في بعبدا، هو “إقرار تخفيض رواتب النواب والوزراء بنسبة 50%، وإعداد مشروع قانون استعادة الأموال المنهوبة، ولن يكون هناك أي ضرائب إضافية على الناس، والموافقة على إلغاء وزارة الإعلام والطلب إلى الوزراء المعنيين رفع تقرير عن المرافق العامة التي يمكن إلغاؤها أو دمجها، إضافة لعدد من النقاط الإصلاحية الأخرى.
