مدونات TRهام

تركيا والعرب.. المعمدون بالنار

أضحى الوطن العربي سجنا كبيرا للشعوب العربية وبالأخص للشباب التوّاقين للحصول على الحرية والديمقراطية، والذين لم تفلح ثورات الربيع العربي في تحقيق أهدافهم وغاياتهم بعد أن وقعت فريسة للثورات المضادة والفوضى العارمة التي كسرت حلم الشباب العربي في بناء الأنظمة الديمقراطية التي كان يحلم بها، وكأنما التاريخ يعيد نفسه من جديد، فما أشبه اليوم بالأمس وما أشبه ثوار اليوم بأولئك المنادين بالحرية والعدالة والمساواة ضد “الملكية المطلقة” في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر.

ومع انطلاق ثورات الربيع العربي لعبت تركيا دورا هاما ومحوريا في دعم هذه الثورات، واحتضان جميع المناوئين للأنظمة غير الديمقراطية في العالم العربي وتقديم كافة أشكال الدعم لهم، وهذا بالتالي يشكل امتدادا لسياسة تركيا الجديدة في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، فلطالما سعت تركيا بعد فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات وتوليه السلطة منذ عام 2003، إلى التفاهم مع العالم العربي والاقتراب أكثر من الشارع العربي و المسلم، وهذا في النتيجة يعتبر انعكاسا لنتائج الانتخابات الديمقراطية التي أوصلت حزبا محافظا ومنفتحا على العالم وفي نفس الوقت لا يعارض العلمانية مثل حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم، فنظرة الأحزاب الإسلامية في تركيا إلى العالم العربي مختلفة تماماً عن نظرة الأحزاب السياسية اليسارية أو العلمانية، ففي حين تركز الأولى على التاريخ المشترك والوحدة الدينية وروابط الأخوة بين شعوب المنطقة فإن الثانية لا ترى في العرب إلا قمّة التخلف والتبعية.

وفي ذروة التغيرات الهائلة والمتسارعة في السياسات الدولية كان لابد للدولة التركية أن تبذل جهدا هائلا للتكيف مع هذه المتغيرات العالمية والمحلية، وخصوصا في المنطقة العربية وبعد قيام ثورات الربيع العربي، وتداعيات هذه الثورات على علاقات الدول مع بعضها في المنطقة، ما ستدعاها للتحول من سياسة “الصفر مشاكل” إلى سياسة “النظام الإقليمي المتوازن”، حيث شكّلت الظروف والتحديات التي عاشتها المنطقة بدءا بنهاية الحرب الباردة وحرب العراق والعلاقة مع إيران ومرورا بالأزمة المالية العالمية وانتهاءا بثورات الربيع العربي والمصالح المتداخلة والمتشابكة في المنطقة، جميعها ساهمت في إعادة تشكيل وصياغة السياسة الخارجية التركية، حيث تأكدت أنقرة أنه لا مفر من حدوث التغيير وأن التغيير ذاته يمكن استثماره بطرق ناجعة للتأقلم مع التغيّر الإقليمي والعالمي.

ومن أجل تحقيق ذلك بدأت تركيا بالتوجه نحو المنطقة العربية حيث تمكّنت من أن تسدّ فراغا كبيرا في القيادة في العالم العربي، وساعد على ذلك الرئيس التركي من خلال الكاريزما التي يتمتع بها والتي أثّرت بقسم ل ايستهان به من شريحة الشباب العربي، حيث استطاع النهوض بتركيا والوصول بها إلى مصافي الدول الصناعية والمتقدمة في العالم، كما أنه ساهم في بخلق دور إيجابي كبير لتركيا من أجل تحقيق السلام والأمن في المنطقة.

وبذلك استطاعت تركيا لعب دور فعال في المنطقة العربية وبالأخص منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى القوة الناعمة التي تستخدمها بشكل رئيسي في رسم سياساتها الخارجية، وأكبر مثال على ذلك الجدال العلني بين أردوغان ورئيس الكيان الصهيوني آنذاك شيمون بيريز، بالإضافة إلى إرسال اسطول الحرية لفك الحصار عن قطاع غزة ودعم تركيا لثورات الربيع العربي واستضافتها لأكثر من ستة ملايين عربي يعيشون على أراضيها، حوالي أكثر من 3.5 مليون منهم من اللاجئين السوريين.

كل ذلك شكل لدى الجمهور العربي حافزا لخلق تجربة تحاكي التجربة التركية في التحول الديمقراطي والتنمية الإقتصادية، والتي غفل عنها ثوار الربيع العربي تحت وطئ الثورات المضادة، في حين حرص الثوار في تونس على الإتسام بها وخاصة رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي الذي عُرفَ عنه تأثره بالنموذج التركي الشامل والحاضن لكافة الأطياف السياسية، والحرص على عدم الاستفراد بالسلطة واحترام الرأي الآخر والمشاركة السياسية.

كل هذه المقدمات جعلت من تركيا دولة معطّلة لمشاريع الدول الغربية، وصاحبة نفوذ على المستوى الإقليمي والدولي، ما شكّل هاجسا لدى الدول الغربية، لذلك حاولت بشتى الوسائل إضعاف تركيا وإفشال مسيرتها في التنمية والإقتصاد، وذلك من خلال التدخل في شؤون المنطقة وزعزعة أمنها واستقرارها، والأمثلة على ذلك كثيرة أبرزها تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في شمال سوريا ودعم التنظيمات الإرهابية مثل PKK/PYD للإستيلاء على نفط سوريا وضرب المكونات الاجتماعية في المنطقة ببعضها البعض لإبقائها ضعيفة وخاضعة وبالتالي الاستيلاء على ثرواتها ومقدراتها.

بالمقابل لطالما وقفت تركيا إلى جانب شعوب المنطقة، ودعمت قضاياها العادلة والمحقّة في الحرية والعدالة واحتضنت كل المظلومين والمضطهدين من جميع أنحاء العالم وقدمت لهم كل أشكال الدعم والإيواء، وكانت سدا منيعا ضد التدخلات الأجنبية التي تسعى إلى تقسيم وتفتيت شعوب المنطقة.

في الختام، تلعب تركيا دورا مهما ومحوريا في قضايا وشؤون الشرق الأوسط والعالم، فهي دولة ناجحة تمتلك جيشا يعد من أقوى عشر جيوش على مستوى العالم، ونفوذا ووزنا كبيرين لا يستهان بهما في الإقليم، وهذا هو السبب الذي خلق هاجسا عند بعض “المَلَكِيَّات العربية” التي رأت في تجربة الإسلام السياسي التي خاضتها تركيا تهديدا لعروشها، ما دفعها للوقوف ضد سياسات تركيا الخارجية والعمل على عدم تعميم التجربة التركية الناجحة في الديمقراطية والتنمية الاقتصادية، والتي من شأنها أن تزيحهم من على عروشهم إذا ماطبقت في العالم العربي.

زر الذهاب إلى الأعلى