
تصادف اليوم السبت، 3 تشرين الأول/أكتوبر، ذكرى استقلال العراق عن الاحتلال البريطاني، فكان هذا اليوم نقطة تحوّل في تاريخ العراق على المستوى السياسي والاجتماعي.
ففي 3 تشرين الأول/أكتوبر 1932 سبق العراق جميع الدول العربية عندما تحوّل من إقليم خاضع للاحتلال البريطاني إلى دولةٍ مستقلة، ليصبح بذلك الدولة رقم 58 في تسلسل دول العالم والانضمام إلى عصبة الأمم، التي ما لبثت أن حّل محلها مجلس الأمن الدولي.
وكان العراق قد بات على الشكل الذي نعرفه حالياً منذ 23 آب/أغسطس 1921 عندما تحولت ولاية بغداد العثمانية إلى دولة العراق الجديد الذي يضم ولايات بغداد والبصرة والموصل، ونال اعتراف الدولة المحتلة بريطانيا في يوم التتويج، فعُرف هذا اليوم بيوم الدولة.
الرفض العراقي للاحتلال البريطاني (الانتداب)
كان الانتداب قد ابتُدع في أعقاب الحرب العالمية الأولى، كنظام سيطرةٍ لإدارة البلدان أو الأقاليم التي انتزعت من الدولة العثمانية وألمانيا، وقد تم إُقراره كنظام حكمٍ في مؤتمر سان ريمو في إيطاليا في نيسان/أبريل 1920.
لكنّ العراقيين شددوا أن الانتداب هو احتلال ورفضوا صيغته، ما دفعهم للتحرك بطرق دبلوماسية وثورية.
امتدّت رحلة الكفاح والنضال التي شهدها العراق في سبيل استقلاله 12 عاماً، ما بين إعلان انتدابه من قبل بريطانيا عام 1920 وإعلان تخلّصه من هذا الاحتلال المقنّع.
نشب خلافٌ داخليّ حول كيفية إنهاء الانتداب، انعكس صراعاً سياسياً بين الطبقة الحاكمة وقتها، فما كان من الملك فيصل الأول إلا أن دعا رشيد عالي الجيلاني، وهو أحد قادة المعارضة آنذاك، لتشكيل حكومةٍ جديدة، لكنّ ذلك فشل في تهدئة الخلافات، التي أسفرت عن تغيير 5 حكومات في عامين فقط.
وفي خطاب تتويجه في أغسطس/آب 1921، أكد الملك فيصل الأول بشكل واضح عزمه على تحقيق استقلال المملكة العراقية من السيطرة البريطانية.
من جهة، جرى تشكيل مندوبين عن مختلف أطياف الشعب العراقي للتفاوض مع الحاكم المدني البريطاني أرنولد ويلسون.
ومن جهةٍ أخرى، تشكلت جمعيات مناهضة للانتداب مثل جمعية حرس الاستقلال السرية، التي قادت ثورة العشرين في حزيران/يونيو 1920.
وبذلك أقبل العراق على فترةٍ من الصراع الحادّ مع بريطانيا، وشهد نزعةً وطنية متصاعدة للحدّ من نفوذ الانتداب، حتى وصلت الأوضاع إلى توقيع معاهدة 30 حزيران/يونيو، ثم إلى انتهاء الانتداب البريطاني الذي استمرّ 12 عاماً ودخول العراق في عصبة الأمم عام 1932.
المفاوضات وإنهاء الاحتلال (الانتداب)
المفاوضات العراقية البريطانية الهادفة إلى عقد معاهدة جديدة بدأت في 31 آذار/مارس 1930، برئاسة الملك فيصل الأول عن الوفد العراقي، والمندوب السامي فرانسيس همفريز عن الوفد البريطاني.
كانت الحكومة العراقية تعمد إلى نشر بيانٍ يوميّ حول ما يدور في المفاوضات، وفي 8 نيسان/أبريل 1930، صدر البيان الأكثر أهمية الذي تضمّن نقاط الاتفاق الذي توصّل إليه الجانبان.
ونصّت الاتفاقيات على أن المعاهدة التي تجري المذاكرة فيها ستدخل حيّز التنفيذ عند دخول العراق عصبة الأمم، كما أن وضع العراق سيكون وضع دولة حرة مستقلة.
أهم هذه النقاط تجلّى في إنهاء الانتداب وجميع المعاهدات والاتفاقيات بين العراق وبريطانيا بمجرّد دخول المعاهدة الجديدة حيّز العمل.
هذه المعاهدة التي قبل بها رئيس الوزراء نوري السعيد لأنه رأى فيها الوسيلة الوحيدة لتحقيق الاستقلال، يرى فيها مؤرّخون أنها كانت نوعاً من القيود التي قيّضت العراق وجعلت استقلاله منقوصاً.
تجلّى ذلك في الجانب العسكري عبر احتفاظ بريطانيا بحق استخدام المطارات العراقية وتمركز قواعد عسكرية لها في الحبانية في الأنبار/غربي البلاد، أو الشعيبة في البصرة/جنوبيّ البلاد، إضافةً إلى استخدامها الطرق وسكك الحديد، واعتبار العراق شريكاً أو حليفاً في أي حرب تدخلها.
استغلال PKK الإرهابي لفوضى الحدود
بعد الاستقلال، عرف العراق فترات من التقلّب على أكثر من مستوى، وانتقل من الحكم الملكي إلى الجمهوري، وعرف العديد من الانقلابات إلى أن استقرّ الحكم لحزب البعث العراقي وترأس البلاد صدام حسين حتى إسقاطه عام 2003 إثر الغزو الأمريكي بزعم امتلاك العراق أسلحة دمار شامل.
سقوط العراق غذّى المطامع الانفصالية للتنظيمات الإرهابية، فقد وجد تنظيم PKK الإرهابي بزعامة عبد الله أوجلان في المناطق الحدودية العراقية السورية، أرضاً خصبةً لتنفيذ خطّته بإنشاء دويلة له هناك.
لكن هذه الحدود دخلت في الفوضى بعد الثورة السورية التي انطلقت عام 2011، تزامناً مع انسحاب النظام السوري من شرقي سوريا وما تلاه من انفلات أمني غربي العراق.
بعد ذلك ما لبثت الحدود أن تحوّلت مسرحًا لنشاط العديد من التنظيمات الإرهابية المسلّحة، فضلاً عن ساحة للتنافس الجيوسياسي على أعلى المستويات.
حيث وجد تنظيم PKK الإرهابي الذي تتصدّى له القوات التركية منذ ثمانينيات القرن الماضي، في هذه الأطراف مساحةً لتوسيع وجوده.
لم تقتصر المواجهات بين الميليشيات والقوات العراقية الرسمية، فقد اصطدمت اعتداءات PKK الإرهابي برؤيته الراديكالية والاستبدادية، مع مصالح الحزب الديمقراطي الكردستاني الرئيسي في إقليم شمالي العراق، ما حوّل الجزء الشمالي من الحدود العراقية السورية وخاصةً سنجار إلى مسرح للتنافس بين المجموعتين.
أما في محافظة الأنبار الغربية، في الجزء الجنوبيّ من هذه المنطقة الحدودية، تعمل الفصائل المدعومة من إيران، عبر الحدود مع سوريا وداخل الأراضي العراقية، بهدف تأمين ممرّ عبر العراق إلى سوريا لتأمين استمرارية توفير الدعم اللوجستي لحليفها النظام السوري.
إيجابيات التصدّي التركي لـ PKK الإرهابي في العراق
أدركت تركيا اللعبة فرفضت التراجع عن ملاحقة PKK الإرهابي داخل الأراضي العراقية بموجب اتفاقية شفهية أبرمت في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، سمح لها بموجبها الدخول بعمق 5 كيلومتر داخل الأراضي العراقية في حربها ضد التنظيم الإرهابي، في إطار حفاظها على أمنها القومي.
مثل هذا البند سجّل ضمن بنود اتفاقية أضنا بين سوريا وتركيا عام 1998، بغرض التصدّي لتهديدات PKK الإرهابي.
واليوم، ما زالت القوات التركية تتابع حملتها المستمرة ضد هذا التنظيم، رغم الدعم الذي يحصل عليه من العديد من الأطراف التي يزعجها استقرار تركيا وصمودها.
أما أهم إيجابيات التدخل العسكري التركي ضد PKK الإرهابي في الأراضي العراقية فهي:
– الحؤول دون تحقيق خطة إنشاء دويلة إرهابية تقوم على اجتزاء مناطق مهمة من العراق وسوريا وتركيا، وما يتبع ذلك من انعكاسات اقتصادية وحرمان من الموارد الطبيعية الموجودة بكميات كبيرة في المنطقة المجتزأة.
ـ عدم السماح للتنظيمات الإرهابية بتحقيق أهدافها التي تتقدمها فكرة تقسيم العراق ومن ثم تقسيم الدول المحيطة به.
– الحؤول دون ربط اسم العراق بالإرهاب بصفته حاضنةً طبيعيةً له والبلد الذي يصدّره إلى دول الجوار، عبر محاصرة الإرهابيين والحدّ من تحرّكاتهم وتحييدهم في عملياتٍ نوعية يومية للقوات المسلحة التركية بالتعاون مع الاستخبارات التركية.
– مساعدة العراق الذي يعاني داخلياً، في حربه ضد الإرهاب عبر القضاء على البؤر الإرهابية من الداخل، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على كلٍّ من تركيا وسوريا أيضاً.
– بناء قواعد بعيدة المدى للتنسيق الأمنيّ والاستخبارتيّ بين الجانبين، وتحقيق المزيد من التعاون السياسي والعسكري بهدف تحقيق أفضل النتائج في الحرب على الإرهابيين.
– استقرار تركيا هو من استقرار العراق، هي علاقة طردية بحكم الجوار والعدوّ الموحّد الذي يسعى إلى التقسيم وينفذ الهجمات الإرهابية ضد البلدين. وهذا الإستقرار لن يتحقق إلا بضرب الإرهاب من منابعه.
وإدراكا من العراق لهذه الإيجابيات، فقد وقع مع تركيا، أمس السبت، اتفاقية تعاون بمجال الصناعات الدفاعية، تشمل إنتاج أنظمة طيران وأسلحة مختلفة، وذلك في إطار تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين.
جاء ذلك خلال زيارة أجراها رئيس مؤسسة الصناعات الدفاعية التركية إسماعيل دمير، رفقة عدد من ممثلي شركات الصناعات الدفاعية التركية، إلى العاصمة العراقية بغداد، حيث التقى فيها رئيس هيئة التصنيع الحربي العراقي محمد الدراجي.
وعلى هامش الزيارة عقد الطرفان مؤتمرا صحفيا مشتركا، أشادا فيه بالعلاقات بين البلدين والتعاون بينهما في مجال الصناعات الدفاعية.
وقال دمير إن “العلاقات الطيبة مع العراق تطورت في العديد من المجالات”، مؤكدا أن “مجال الصناعات الدفاعية سيكون أحد هذه المجالات”.
وتابع “سندعم الخطوات المتخذة في مجال السلام والاستقرار في العراق”.
وشدد دمير على أن “المحادثات بين الطرفين، ستقود للتعاون والعمل المشترك في مختلف المجالات على المدى الطويل”.
من جهته، قال دراجي “اتفقنا على نقل التكنولوجيا من تركيا إلى العراق”.
ولفت إلى أنه “تم التوقيع على مذكرة تفاهم مشتركة بين البلدين حول هذا الموضوع”.
وأضاف “لقد رأينا تفاهمًا كبيرًا من الجانب التركي بخصوص الصناعة العسكرية المشتركة بين العراق وتركيا”.
ولفت إلى أنه “سيتم إنتاج أسلحة خفيفة وذخائر وأنظمة تتبع للطائرات في العراق”.
وأوضح أن “قوات الأمن العراقية ستقوم بإنتاجها لمتابعة الأمن ومراقبة العمليات الحدودية والإرهابية”.
للاشتراك بقناة “وكالة أنباء تركيا” على تليغرام.. عبر الرابط التالي: https://t.me/tragency1







