تقاريرهام

تركيا تطرح خطة رباعية “منطقة بلا إرهاب” (تقرير)

تتجه تركيا إلى توسيع تعاونها الأمني مع دول الجوار عبر طرح آلية رباعية تضم تركيا وسوريا والعراق وإيران، بهدف الوصول إلى ما تصفه أنقرة بـ “منطقة خالية من الإرهاب”، في خطوة تعكس انتقالاً تدريجياً من ترتيبات أمنية ثنائية وثلاثية إلى إطار إقليمي أوسع.

وقال وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي، في تصريحات صحيفة وبرنامج تلفزيوني تركي، إن تركيا تعمل على تطوير تصور لهذه الآلية، مشيراً إلى وجود آليات تعاون ثنائية وثلاثية قائمة بالفعل، وأن المقترح الرباعي لا يزال في مرحلة التصميم والنقاش.

وأضاف تشيفتشي أن أنقرة طرحت الفكرة على الجانب الإيراني خلال لقاء جمعه بوزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني، موضحاً أن المسؤول الإيراني أبدى “استجابة إيجابية للغاية” تجاه المقترح، وفق ما نقلته وسائل إعلام تركية.

إيران تدخل على خط المبادرة

وبحسب تشيفتشي، فإن النقاش مع الجانب الإيراني لم يقتصر على التعاون الأمني بين البلدين، بل تناول هدفاً أوسع يتمثل في إنشاء “منطقة خالية من الإرهاب” تمتد عبر الدول الأربع.

وقال الوزير التركي إن هذه العملية لن تتحول إلى “عملية سلام حقيقية” ما لم تُلقِ التنظيمات المسلحة سلاحها، في إشارة إلى ربط أنقرة أي ترتيبات إقليمية جديدة بإنهاء النشاط المسلح للتنظيمات التي تعتبرها تهديداً لأمنها.

وأوضح أن أنقرة ترى أن التطورات في سوريا تمثل جزءاً أساسياً من هذا المسار، مشيراً إلى ما وصفه بحل “وحدات حماية الشعب” وقرارها الاندماج في مؤسسات الدولة السورية، ومشدداً على ضرورة استمرار هذا المسار في العراق وإيران أيضاً، حيث ينشط حزب الحياة الحرة الكردستاني «بيجاك» وفق التصور التركي.

وحذر تشيفتشي من احتمال انتقال عناصر ترفض الاندماج إلى الأراضي العراقية أو الإيرانية، معتبراً أن معالجة هذا الاحتمال تحتاج إلى تنسيق بين الدول المعنية، بدلاً من التعامل معه باعتباره ملفاً تركياً منفرداً.

ويأتي هذا الطرح في وقت تكثف فيه أنقرة اتصالاتها الأمنية مع بغداد وطهران ودمشق، بينما تحاول الحكومة التركية دفع مسار “تركيا خالية من الإرهاب” إلى مرحلة إقليمية أوسع.

من آليات ثنائية إلى شبكة إقليمية

لا تبدأ فكرة التعاون الأمني الإقليمي من الصفر، ففي آذار/مارس 2025، اجتمعت تركيا وسوريا والعراق والأردن ولبنان في العاصمة الأردنية عمّان، واتفقت الدول الخمس على إنشاء مركز عمليات مشترك لدعم جهود مكافحة تنظيم “داعش” الإرهابي في سوريا والمنطقة.

 كما بدأت في أيار/مايو من العام نفسه وحدة تنسيق تضم تركيا وسوريا والأردن مهامها في دمشق.

وفي نيسان/أبريل 2025، أكدت تركيا والعراق عزمهما على إنشاء مركز عمليات مشترك في إطار “الآلية الخماسية” التي أُطلقت في عمّان لمواجهة الإرهاب، إلى جانب استمرار آلية أمنية رفيعة المستوى بين أنقرة وبغداد.

وبذلك، يمكن النظر إلى المقترح التركي الجديد باعتباره محاولة لإعادة ترتيب هذه المسارات ضمن إطار أكثر اتساعاً، مع إضافة إيران إلى المعادلة الأمنية الخاصة بسوريا والعراق.

وتكتسب إيران أهمية خاصة في هذا التصور بسبب موقعها الجغرافي وحدودها مع العراق، وكذلك بسبب وجود “بيجاك” في الأراضي الإيرانية وفق التصريحات التركية.

ومن وجهة نظر أنقرة، فإن أي محاولة لإنهاء النشاط المسلح العابر للحدود ستبقى محدودة ما لم تشمل مختلف المناطق التي يمكن أن تنتقل إليها العناصر المسلحة.

توسيع دائرة مواجهة الإرهاب

ويرى الباحث السياسي رشيد حوراني، أن تصريحات وزير الداخلية التركي تعكس توجهاً نحو إشراك دول المنطقة في مواجهة الإرهاب وفرض الاستقرار، معتبراً أن هذا التصور يتقاطع مع الرؤية الأميركية التي تفضل، بحسب قراءته، التعامل مع أزمات المنطقة عبر أطر سياسية وإقليمية.

وقال حوراني في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “المقترح يعكس أيضاً استمرار تركيا في البناء على ما بدأته في مجال مكافحة الإرهاب”، مشيراً إلى الآلية التي تشكلت العام الماضي بمشاركة تركيا وسوريا والعراق والأردن ولبنان.

وأضاف أن إدخال إيران إلى هذه المنظومة يمثل تحولاً مهماً، لأنه يفتح الباب أمام دمج طهران في ترتيبات أمنية إقليمية آخذة في التشكل، وفق تعبيره.

ويربط حوراني ذلك أيضاً بالتحولات الأوسع في العلاقات الإقليمية، وفي مقدمتها اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته تركيا والسعودية وباكستان في مكة في آب 2026، معتبراً أن هذه الترتيبات تشير إلى تشكل دوائر تعاون جديدة في المنطقة.

لكن حوراني يرى في الوقت نفسه أن التصور التركي قد يصطدم بتباين المواقف مع إيران، خصوصاً في ظل اختلاف رؤى البلدين بشأن عدد من الملفات الإقليمية وطبيعة التهديدات الأمنية.

دبلوماسية تركية متعددة المسارات

من جهته، يضع الباحث في العلاقات الدولية عبد الباسط أبو نبوت المقترح التركي ضمن إطار أوسع لما يسميه “الدبلوماسية التركية متعددة المسارات”، معتبراً أن آلية تركيا وسوريا والعراق وإيران لا تمثل مجرد ترتيب أمني مؤقت.

وقال أبو نبوت في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن اللافت في السياسة التركية خلال المرحلة الحالية هو الانتقال بصورة متزايدة من الاعتماد على مسار واحد في إدارة الأمن الإقليمي إلى بناء “شبكة متعددة المسارات”، تشمل تعاوناً دفاعياً مع السعودية وباكستان، وآليات أمنية مع دول الجوار، ومسارات اقتصادية وتنموية مع دول آسيا الوسطى، إلى جانب استمرار الحضور التركي في ملفات البلقان والبحر الأسود والحرب الروسية الأوكرانية.

ويشير إلى أن اتفاق الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، الموقع في مكة في آب/أغسطس الماضي، يمثل أحد أبرز النماذج الجديدة لهذا التوجه.

وينص الاتفاق على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، مع تأكيد الأطراف أن الاتفاق ذو طبيعة دفاعية ولا يستهدف دولة بعينها. كما عقدت الدول الثلاث أول اجتماع للجنة الاستراتيجية والسياسية والدفاعية في إسطنبول، وبدأت خطوات مأسسة التعاون وإنشاء أمانة للمجلس.

ويرى أبو نبوت أن الآلية الرباعية المقترحة مع سوريا والعراق وإيران تختلف عن اتفاق مكة؛ فهي لا تقوم على تحالف دفاعي، وإنما على تعاون أمني بين دول تجمعها حدود ومصالح وتهديدات عابرة للحدود.

“الملكية الإقليمية” في الأمن

ويرتبط التصور التركي بمفهوم “الملكية الإقليمية” الذي يطرحه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والقائم على إعطاء دول المنطقة دوراً أكبر في معالجة أزماتها الأمنية والسياسية.

وفي آب/أغسطس الماضي، قال فيدان إن اتفاق مكة يمثل خطوة نحو استقرار إقليمي أكبر، وإن تركيا لا تريد أن تبقى الترتيبات الأمنية الإقليمية محصورة في عدد محدود من الدول، فيما أكد لاحقاً أن الاتفاق مفتوح أمام دول أخرى وفق شروطه.

وفي أيلول/سبتمبر الجاري، جدد فيدان الحديث عن أهمية “الملكية الإقليمية” للأمن، قائلاً إن الحلول المحلية أمامها فرص أكبر للاستمرار.

ومن هذه الزاوية، يأتي المقترح الرباعي مع سوريا والعراق وإيران ضمن توجه تركي أوسع لبناء ترتيبات أمنية متعددة الأطراف، بحيث لا يبقى أمن الحدود التركية منفصلاً عن أمن الدول المجاورة.

سوريا في قلب المعادلة

وتحتل سوريا موقعاً مركزياً في المبادرة المقترحة، كونها تمثل نقطة التقاء بين عدد من الملفات الأمنية التي تتعامل معها تركيا والعراق وإيران.

وكانت الدول الخمس، تركيا وسوريا والعراق والأردن ولبنان، قد اتفقت في آذار/مارس 2025 على التعاون لمواجهة الإرهاب في سوريا، فيما أكدت أنقرة وبغداد لاحقاً ضرورة إنشاء مركز عمليات مشترك ضمن هذا المسار.

وتقول أنقرة إن استقرار سوريا يرتبط مباشرة بأمن حدودها الجنوبية، كما تربط نجاح مسار “تركيا خالية من الإرهاب” بإنهاء النشاط المسلح للتنظيمات التي تعتبرها امتدادات لـ PKK الإرهابي.

وبالنسبة إلى دمشق، فإن انتقال التعاون الأمني من الإطار التركي-السوري إلى إطار رباعي يمكن أن يضعها في موقع أكثر حضوراً ضمن ترتيبات أمن المنطقة، خصوصاً إذا تحولت الفكرة من مجرد مقترح إلى آلية مؤسسية تضم أجهزة أمنية ووزارات داخلية وخارجية ومؤسسات عسكرية.

لكن ذلك يتطلب توافقاً بين الدول الأربع حول تعريف التهديدات، وآليات تبادل المعلومات، وأمن الحدود، ومصير العناصر المسلحة، فضلاً عن احترام سيادة كل دولة وطبيعة مؤسساتها الأمنية.

اختبار صعب أمام أنقرة

ورغم أن المقترح لا يزال في مرحلة التصميم، فإن طرحه يكشف عن اتجاه تركي نحو بناء شبكات أمن إقليمية بدلاً من الاكتفاء بالترتيبات الثنائية.

غير أن تحويل الفكرة إلى آلية عملية سيواجه تحديات سياسية وأمنية، أبرزها اختلاف مقاربات الدول الأربع تجاه التنظيمات الكردية المسلحة، وتباين العلاقات التركية الإيرانية، فضلاً عن تعقيدات المشهد السوري والعراقي.

لذلك، فإن المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كان المقترح سيبقى في إطار المشاورات السياسية، أم يتحول إلى صيغة أمنية واضحة تتضمن اجتماعات دورية وتبادل معلومات وتنسيقاً على الحدود.

وفي الحالتين، يعكس طرح الآلية الرباعية تحولاً في طريقة مقاربة أنقرة للأمن الإقليمي: من التعامل مع التهديدات على أساس حدود الدولة الواحدة، إلى محاولة بناء شبكة تعاون تضم الدول التي تتقاطع أراضيها ومصالحها مع هذه التهديدات.

ويضع ذلك تركيا أمام مسار جديد يجمع بين الأمن والدبلوماسية الإقليمية، فيما تصبح سوريا والعراق وإيران أطرافاً رئيسية في اختبار قدرة هذا النموذج على الانتقال من فكرة سياسية إلى ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ.

زر الذهاب إلى الأعلى