
لم تأتِ نهاية تنظيم “قسد” في سوريا كتحول عسكري مفاجئ، بل جاءت نتيجة مسار سياسي وأمني وعسكري طويل تداخلت فيه حسابات أنقرة مع جهود دمشق لاستعادة سلطة الدولة على كامل الأراضي السورية.
وفي 25 آب/أغسطس 2026، أعلن قائد “قسد” مظلوم عبدي انتهاء مهمة القوات وحلها كقوة عسكرية مستقلة، بعد استكمال دمج عناصرها ضمن ألوية الجيش السوري.
بالنسبة إلى تركيا، مثّل هذا التطور تحقيقاً لهدف ظل حاضراً في سياستها تجاه سوريا منذ سنوات: منع ترسيخ كيان عسكري منفصل على حدودها الجنوبية، وإنهاء البنية العسكرية المرتبطة بـ”قسد” ضمن إطار الدولة السورية، بما ينسجم مع مفهوم “دولة واحدة وجيش واحد”.
من الضغط العسكري إلى مسار الاندماج
واعتمدت أنقرة خلال السنوات الماضية على مزيج من الأدوات العسكرية والأمنية والسياسية للتعامل مع “قسد”، فوجود قوة مسلحة مستقلة شمال شرقي سوريا، ترتبط قياداتها وتنظيماتها بصورة وثيقة بتنظيم PKK الإرهابي، ظل يُنظر إليه في تركيا باعتباره تحدياً مباشراً لأمنها القومي.
لكن المقاربة التركية لم تقتصر على العمل العسكري. ومع تغير المشهد السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد المخلوع، انتقلت أنقرة بصورة أكبر إلى دعم الحكومة المركزية في دمشق باعتبارها الطرف القادر على استعادة السيطرة على المناطق التي كانت تديرها “قسد”.
ويقول الباحث في العلاقات الدولية عبد الباسط أبو نبوت، في حديثه لـ”وكالة أنباء تركيا”، إنه “يمكن القول إن تركيا تعاملت مع ملف قسد باعتباره جزءاً من معادلة الأمن القومي التركي ومستقبل الدولة السورية في آنٍ واحد”.
وتابع “ولذلك لم يكن موقفها قائماً على خيار واحد، بل على سياسة تجمع بين التعاون والضغط والتنسيق مع حكومة دمشق، بما يضمن ضبط مسار الأحداث ومنع تحول الملف الكردي إلى تهديد أمني مستدام على حدودها”.
وأكد على أن “أنقرة تدرك أن بقاء قوة عسكرية منفصلة عن مؤسسات الدولة السورية يفتح الباب أمام حالة من عدم الاستقرار ويعقّد مشروع سوريا الموحدة، ولذلك دعمت مسار الاندماج ضمن مؤسسات الدولة، مع إبقاء أدواتها الأمنية والعسكرية حاضرة لمراقبة تنفيذ التفاهمات وضبط أي انحراف عنها”.
وبالتالي، فإن تركيا لا تنظر إلى نهاية “قسد” كحدث عسكري منفصل، وإنما كمسار سياسي وأمني طويل، تشارك فيه بالتنسيق مع دمشق، مع استعدادها للتدخل والضغط كلما رأت أن التطورات قد تهدد أمنها أو وحدة سوريا، وفق أبو نبوت.
وتزامن هذا المسار مع تحول واضح في طبيعة العلاقة بين أنقرة ودمشق، ففي السادس من آب/أغسطس، بحث رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم كالن ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في العاصمة التركية أنقرة ملف حل “قسد” ومكافحة الإرهاب، في مؤشر على أن الملف أصبح جزءاً من آلية تنسيق أوسع بين البلدين.
كما اتفقت تركيا وسوريا في الشهر نفسه على إنشاء مجلس تنسيق رفيع المستوى لتعميق التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، بما يعكس انتقال العلاقات الثنائية إلى مستوى أكثر مؤسسية.
اتفاقات متدرجة مهّدت للنهاية
لم يبدأ مسار إنهاء “قسد” في آب/أغسطس 2026، وإنما مر بمراحل متتالية، فقد شكل اتفاق 10 آذار/مارس 2025 نقطة انطلاق لمسار دمج المؤسسات المدنية والعسكرية شمال شرقي سوريا ضمن مؤسسات الدولة.
ثم جاءت تفاهمات كانون الثاني/يناير 2026 أكثر وضوحاً، مع اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الكامل الذي نص على نقل مؤسسات مدنية وعسكرية إلى الدولة، وتسليم الحكومة السورية المعابر وحقول النفط والغاز، ودمج عناصر “قسد” في وزارتي الدفاع والداخلية بصورة فردية وبعد إجراءات تدقيق أمني.
كما نص الاتفاق على إخراج عناصر وقيادات تنظيم PKK الإرهابي غير السوريين من الأراضي السورية.
وهذه البنود تكشف بوضوح طبيعة المقاربة التي دعمتها تركيا: ليس مجرد تفكيك قوة عسكرية، وإنما إعادة ترتيب العلاقة بين المركز والأطراف، بحيث تصبح المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية خاضعة للدولة.
تركيا: دولة واحدة وجيش واحد
بعد الإعلان عن حل “قسد”، سارعت أنقرة إلى الترحيب بالخطوة.
وقالت وزارة الدفاع التركية إن حل القوات واندماجها في مؤسسات الدولة السورية يمثلان تطوراً مهماً للحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها وتعزيز مبدأ “دولة واحدة، جيش واحد”.
كما أكدت استمرار دعمها للجيش السوري في إطار اتفاق التعاون العسكري القائم، خصوصاً في مجال مكافحة الإرهاب.
وتحمل هذه الرسالة بعداً يتجاوز الترحيب السياسي، إذ تعكس التصور التركي لشكل الدولة السورية بعد الحرب: سلطة مركزية تمتلك أدوات القوة العسكرية والأمنية، مع استيعاب المكونات المحلية ضمن مؤسسات الدولة، بدلاً من بقاء مناطق النفوذ المسلح خارج سيطرة دمشق.
الباحث في الشأن الأمني عبد الله الحمد، رأى أن “تركيا لعبت دوراً في دفع هذا المسار عبر الجمع بين الضغط العسكري والتنسيق السياسي مع الحكومة السورية”.
وقال الحمد في حديثه لـ”وكالة أنباء تركيا” إن “أنقرة ساعدت في إنهاء حالة الانقسام للكيانات داخل الدولة السورية، وخصوصاً قسد، من خلال دمجها ضمن مؤسسات الدولة السورية عبر استراتيجية تميزت ما بين الضغط العسكري والتعاون السياسي مع الحكومة المركزية في دمشق، حيث دعمت العمليات العسكرية التركية السيطرة على مناطق واسعة في الشمال السوري، وأي محاولة لتثبيت كيان عسكري منفصل، كما ضيقت الخناق على التنظيمات المرتبطة بـقسد، أيضاً من خلال الدعم السياسي لدمشق، حيث نسقت مع الحكومة السورية مبدأ جيش واحد ودولة واحدة وحكومة واحدة، ورفضت أي تشكيلات قد تساهم في تفتيت المركزية، سواء كانت العسكرية أو السياسية”.
وأضاف “كذلك قدمت تركيا المشورة والدعم الفني لمسار دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية، ما أثمر عن إعلان حلها واندماجها بالكامل في 25 أغسطس 2026”.
وفي المحصلة، لم تساهم تركيا برسم نهاية “قسد” عبر خيار عسكري منفرد، بل عبر بناء معادلة متدرجة جمعت الضغط الميداني، والتنسيق الاستخباراتي والسياسي مع دمشق، ودعم الجيش السوري، والتمسك بمبدأ مركزية الدولة.







