
موجة “تهكم مُبطن” غير مسبوقة أثارتها تصريحات عضو مجلس الشورى السعودي إبراهيم النحاس، حول أسباب “تأجيل” زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى السعودية حتى تموز/يوليو المقبل، في حين رأى فيها مراقبون أنها “تأتي لحفظ ماء الوجه”، وأنها “تصريحات مثيرة للجدل”.
جاء ذلك على خلفية لقاء متلفز أجراه النحاس مع إحدى القنوات السعودية الرسمية، الأحد الماضي، زعم خلاله وبكل ثقة، حسب مراقبين، أن سبب “تأجيل” زيارة بايدن إلى السعودية هو “حتى تكتمل الاستجابة لطلبات الرياض”، من دون أن وضح أي تفاصيل عن تلك الطلبات.
وتابع مدّعياً خلال اللقاء أن “الاستجابة لترتيبات الرياض بما يحقق مصالحها هي الأصل في الزيارة”، مؤكداً أن “السعودية ستعمل مع من يحقق مصالح الشعبين والقضايا الرئيسية التي ستخدم الأمن والسلم والاستقرار في المنطقة”، حسب تعبيره.
الصحفي اليمني صدام الحريبي، قال لـ”وكالة أنباء تركيا” معلقا على تصريحات النحاس “أعتقد أن تصريح النحاس جاء لتجميل صورة السعودية بعد التغييرات والتحركات الحاصلة على مستوى البلاد، والتي يردها البعض للتوجيهات الأمريكية والبريطانية التي تدير النظام فيها”.
وأضاف الحريبي أن “الجميع أصبح يحمل قناعة لا يخالطها شك أن الأمريكان هم من يحددون سياسات السعودية، وقد جاء ذلك التصريح لمحاولة تغيير هذه الصورة النمطية”، متابعاً “مع ذلك يجب علينا الانتظار حتى نرى ما هي المطالب السعودية، وكيف ستتم الاستجابة لها من قبل الأمريكان”.
مراقبون مهتمون بالشأن الدولي والأمريكي أشاروا إلى أن المطالب التي لم يتطرق إليها النحاس في تصريحاته خشية تعرضه للمساءلة في السعودية هي “الاعتراف الأمريكي بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، حاكماً فعلياً للبلاد، بعد استبعاده بسبب ضلوعه بمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، والموافقة الأمريكية على تزويد بن سلمان بالمعدات العسكرية الأمريكية، والضمان الأميركي بحماية السعودية أمر بالغ الأهمية، بالأخص في ضوء هجمات إيران والميليشيات التابعة لها على المملكة، وذلك ضمن اتفاق النفط السعودي مقابل الحماية الأميركية، الذي عقد عام 1945”.
الكاتب اليمني عادل الشجاع قلل في حديثه لـ”وكالة أنباء تركيا”، من أهمية تصريحات عضو مجلس الشورى السعودي إبراهيم النحاس، لافتا إلى أن “بايدن في الأصل غير متحمس لزيارة السعودية”.
وقال الشجاع إن “زيارة بايدن إلى المملكة ليست رسمية وإنما على هامش زيارته إلى إسرائيل، وقد تتم أو لا تتم، فما هو مطلوب من المملكة قد قامت به، وهو زيادة حصتها من إنتاج النفط وتحقيق الهدنة في اليمن”.
وأضاف أن “بايدن مازال ينظر إلى ولي العهد السعودي على أنه قاتل أقدم على قتل الصحفي السعودي خاشقجي ومثل بجثته في القنصلية السعودية في تركيا، ولهذا فهو غير متحمس لزيارة المملكة”.
المراقبون لفتوا الانتباه إلى أن بايدن وعندما خاض سباق الرئاسة الأميركية تعهد بأن تصبح السعودية “منبوذة” بسبب مقتل الصحفي جمال خاشقجي، ولدى وصوله البيت الأبيض جمّد مبيعات الأسلحة للمملكة بسبب الحرب التي تخوضها في اليمن، كما رسم خطة تعتمد فيها الولايات المتحدة على مصادر الطاقة المتجددة عوضا عن اعتمادها على سوق النفط الذي تملك فيه المملكة نفوذا واسعا.
ووسط “التهكم المُبطن” من تصريحات وادعاءات ومزاعم عضو مجلس الشورى السعودي فإن أصواتاً أخرى رأت عكس ذلك، مستنكرة في الوقت ذاته “ضعف الموقف الإسلامي في المحافل الدولية”، والذي كان السبب في “السخرية والتهكم” من تصريحات النحاس بخصوص زيارة بايدن إلى السعودية.
وفي هذا الصدد، قال الكاتب والمحلل السياسي عمر حسون الهاشمي لـ”وكالة أنباء تركيا”، إن “أمريكا لا تعتبر أي دولة إسلامية ولا يهم أمريكا أياً من المطالب العربية أو المطالب من الدول الإسلامية، والكل يعلم كيف تتستر أمريكا على الحوثي المدعوم إيرانيا في حربه ضد المملكة العربية السعودية، بل وتحاول أمريكا جاهدة إضعاف الموقف السعودي أمام الحوثي في المحافل الدولية”.
وأضاف الهاشمي أن “بايدن لو كان ينتظر شروط معينة من دولة إسلامية لكان انتظرها من عمران خان رئيس وزراء باكستان السابق أقوى دولة إسلامية وثالث أقوى دولة نووية آسيوية، والذي عندما أراد الاستقلال في العلاقات مع روسيا دون أمريكا، أمرت أمريكا الدولة العميقة في باكستان بإسقاطه وهو الزعيم الشعبي الوحيد الذي له حضوره في باكستان”.
وفي رد على سؤال حول سبب تهكم وسخرية كثيرين من تصريح عضو مجلس الشورى السعودي إبراهيم النحاس، أوضح الهاشمي قائلاً “لأنه للأسف شعوب الدول الاسلامية تعودت على ضعف الموقف الإسلامي في المحافل الدولية وهشاشته، ولا سيما بعد احتلال العراق وسوريا وعدم تدخل دول إسلامية سُنية بحجم السعودية لحماية العرب السنة في سوريا والعراق”.
أمّا الصحفي والإعلامي نورس العرفي فأعرب عن تأييده لتصريحات النحاس قائلاً “أنا مع هذا التصريح ولا أستبعد ذلك أبدا”.
وأضاف النحاس في حديثه لـ”وكالة أنباء تركيا”، أن “موازين القوة اختلفت عالميا وما قامت به روسيا مؤخرا ومشكلة النفط العالمية ونقص مخزون الاحتياطي الأمريكي ومحاولة واشنطن إيجاد منتجي النفط البديلين لروسيا، يجعلها تلجا للسعودية ودول الخليج”.
واعتبر أن “السعودية الآن هي التي تفرض شروطها، وأمريكا أصبحت تخشى من توجه الشرق الأوسط بالكامل وخاصة دول الخليج إلى روسيا وحليفاتها، وخاصة بعد كشفها للدعم الخفي لإيران في المنطقة وجعلها فزاعة لدول الخليج”، حسب قوله.
الجدير ذكره أن إبراهيم النحاس عضو مجلس الشورى السعودي، لم يكتف بتصريحات المثيرة للجدل، بل ذهب أبعد من ذلك بكثير عندما ادّعى أن السبب وراء الزيارات المتوالية للوفود السياسية الأمريكية للسعودية هو أنهم “يريدون إصلاح ما يمكن إصلاحه من التراجع الطفيف الذي حدث في العلاقات المرحلة الماضية، وإيصال رسالة إيجابية بأن ما حدث في المرحلة الماضية لم يكن إلا نتيجة أصوات حزبية قد تكون جمهورية أو ديمقراطية لم تستوعب التاريخ والمصالح بين البلدين”.







