تقاريرهام

وساطة من أجل إنقاذ الأرواح وصون الكرامة الإنسانية.. لماذا الإصرار القطري على هذا النهج؟ (تقرير)

في ظل عالم مضطرب تتزايد فيه الصراعات المسلحة والأزمات الإنسانية، برزت قطر كأحد أبرزالفاعلين الإقليميين الذين اختاروا طريق الوساطة والدبلوماسية الهادئة بديلاً عن الانحياز أو الانخراط فيالصراعات.

هذا الدور لم يعد مجرد خيار سياسي ظرفي، بل تحوّل إلى نهج استراتيجي راسخ تتبناه الدوحة تحتعنوان إنساني واضح “إنقاذ الأرواح وصون الكرامة الإنسانية”.

فما الذي يجعل قطر مصرة على المضي في هذا المسار رغم التحديات والضغوط الدولية والإقليمية؟

نهج ثابت رغم المتغيرات

على مدى العقدين الماضيين، أثبتت قطر قدرتها على لعب دور الوسيط النزيه بين أطراف متصارعة فيمناطق مختلفة من العالم، بدءاً من لبنان والسودان، مروراً بأفغانستان، وصولاً إلى الساحة الفلسطينية.

وقد تكرّس هذا النهج بفضل مزيج من الثقة الدولية التي تحظى بها الدوحة، والقدرة على التواصل معأطراف متناقضة أيديولوجياً وسياسياً، فضلاً عن تمسّكها بخطاب يقوم على أولوية الكرامة الإنسانية ورفضالاستقواء العسكري.

ويرى مراقبون أن الإصرار القطري على الاستمرار في الوساطات، رغم تعرّضها أحياناً لانتقادات أواستهداف مباشر، يعكس قناعة عميقة بأن هذه السياسة تمثل استثماراً في استقرار المنطقة على المدىالطويل، إلى جانب أنها جزء من مسؤولية أخلاقية تتبناها الدولة تجاه الشعوب التي تعاني من ويلاتالحروب.

الوساطة كأداة لإنقاذ الأرواح

الدوحة لم تكتفِ بطرح نفسها وسيطاً سياسياً، بل ركزت أيضاً على البعد الإنساني لعملها الدبلوماسي.

ففي أزمات عديدة، لعبت قطر دوراً محورياً في تأمين ممرات آمنة لإجلاء المدنيين، والمساعدة في إطلاقسراح محتجزين أو أسرى، ونقل مساعدات إنسانية عاجلة إلى مناطق منكوبة.

هذه الجهود جعلت اسم قطر مرتبطاً في أذهان كثيرين بمفهوم “الوسيط المنقذ”، لا الوسيط الباحث عنمكاسب سياسية.

ويشير محللون إلى أن هذا التوجه يعكس إدراكاً قطرياً بأن النجاح الحقيقي للوساطات لا يقاس فقط بالتوقيععلى اتفاقيات سياسية، بل بقدرتها على حماية حياة المدنيين، ووقف نزيف الدم، ومنع تكرار الانتهاكاتضد حقوق الإنسان.

بين المبادئ والمصالح

تدرك القيادة القطرية أن اتباع سياسة الوساطة قد لا يحقق مكاسب سياسية آنية أو نفوذاً مباشراً، لكنه يسهمفي تعزيز صورة الدولة على الصعيد الدولي باعتبارها لاعباً جديراً بالثقة، وهو ما يمنحها ثقلاً دبلوماسياً مضاعفاً في قضايا إقليمية ودولية.

ومن اللافت أن قطر لم تُظهر تردداً في خوض وساطات معقدة وصعبة، حتى عندما كانت تدرك أنالنجاح ليس مضموناً، فبالنسبة للدوحة، مجرد محاولة جمع الأطراف المتنازعة على طاولة الحوار هوخطوة تستحق أن تُخاض، لأن البديل غالباً ما يكون استمرار العنف وتفاقم المأساة الإنسانية.

الدوحة كجسر بين الشرق والغرب

واحدة من أبرز سمات الوساطة القطرية هي قدرتها على التواصل مع أطراف متباينة، بل ومتخاصمةبشدة.

 ففي أفغانستان مثلاً، كانت الدوحة المكان الذي احتضن المفاوضات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، ما جعلها جسراً بين قوة عظمى وحركة مصنفة على قوائم الإرهاب لدى عدد من الدول.

وفي الملف الفلسطيني، تستمر قطر بلعب دور الوسيط بين الفصائل الفلسطينية والجهات الدولية، معتركيزها الدائم على تحسين الظروف المعيشية في غزة، وإعادة إعمار ما دمره ويدمره عدوان الاحتلالالإسرائيلي، وهو ما يُظهر الجانب الإنساني العميق في مقاربة الدوحة للصراع.

لماذا الإصرار؟

قد يتساءل البعض: لماذا تصر قطر على هذا النهج، بينما تواجه انتقادات متكررة من بعض القوى، بلوحتى محاولات استهداف مباشر لدورها؟ الإجابة تكمن في رؤية استراتيجية طويلة الأمد تتبناها القيادةالقطرية، تقوم على ثلاثة محاور أساسية:

  1. المسؤولية الأخلاقية: قطر تعتبر أن من واجب الدول القادرة على التدخل أن تستخدم نفوذها لحمايةالمدنيين، لا لزيادة معاناتهم.
  2. الاستقرار الإقليمي: تدرك الدوحة أن استمرار النزاعات في محيطها المباشر أو غير المباشرسيؤثر سلباً على الأمن الإقليمي والعالمي، وبالتالي فإن الوساطة تسهم في تقليل المخاطر.
  3. تعزيز الدور الدولي: عبر نجاحها المتكرر في الوساطات، تمكنت قطر من حجز موقع متميز علىخارطة الدبلوماسية العالمية، ما يمنحها قوة ناعمة تتجاوز حجمها الجغرافي أو الديمغرافي.

وفي هذا الصدد، قال محمود علوش، أكاديمي مختص بالعلاقات الدولية لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “هذاجزء من التزام دولة قطر الثابت بدعم الشعب الفلسطيني. فقطر تضطلع بدور الوساطة بين إسرائيلوحركة حماس منذ زمنٍ بعيد، ولم يكن هذا الدور نتاج رغبتها وحدها في تبنيه، بل جاء أيضًا استجابةً لرغبةٍ أمريكيةٍ مُعلنةٍ من البيت الأبيض، بل وحتى بموافقةٍ إسرائيليةٍ سابقةٍ على دورها كوسيطٍ في هذاالملف الحساس، ولا يزال استمرار قطر في هذا المسار الوسيط يُعدّ حاجةً أساسيةً للولايات المتحدةالأمريكية، بل وضرورةً استراتيجيةً في هذا التوقيت بالذات”.

وتابع “وفي جانبٍ آخر، نشهد اليوم تصعيدًا خطيرًا في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، مع اقتحامٍ عسكريٍّ لمدينة غزة، ومخاوفَ متزايدةً من تدهورٍ إنسانيٍّ كارثي، خصوصًا أن إسرائيل تدفع باتجاه حصارٍ شاملٍ للشعب الفلسطيني، ما يهدد بكارثةٍ إنسانيةٍ غير مسبوقة”.

وأضاف “وهنا تسعى قطر رغم كل ما دفعته من أثمانٍ باهظة، بما في ذلك العدوان الإسرائيلي الأخيرعليها بسبب تبنيها لهذا الدوور، إلى إيصال رسالةٍ واضحةٍ إلى المجتمع الدولي: إنها لا تزال متمسكةً بلعبدورٍ فاعلٍ في ملف الوساطة، ليس طلبًا للشهرة أو المصالح، بل لأن اختيارها لهذا الدور مصممٌّ بعنايةٍ، ومبنيٌّ على قناعةٍ راسخةٍ بأن المسار التفاوضي هو السبيل الوحيد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فهو أي المسارالتفاوضي، السبيل الوحيد لنزع الذرائع التي يتمسك بها نتنياهو لتبرير تصعيد عسكريٍّ خطيرٍ في غزة، ولإيجاد مخرجٍ حقيقيٍّ يُجنّب المنطقة المزيد من الدمار، ويُعيد الأمل في حلٍّ عادلٍ للقضية الفلسطينية”.

مواجهة الضغوط والتحديات

لا تخفى حقيقة أن السياسة القطرية تواجه ضغوطاً هائلة، سواء من قوى لا ترغب برؤية دور مستقلللدوحة، أو من أطراف متضررة من نجاحاتها الدبلوماسية. ومع ذلك، لم تتراجع قطر عن مواقفها، بلكثفت من تحركاتها الدبلوماسية، مدعومة بإمكانياتها الاقتصادية والإعلامية التي تجعلها أكثر قدرة علىالتأثير في الرأي العام الدولي.

ويؤكد مراقبون أن الإصرار القطري ليس عناداً سياسياً بقدر ما هو قناعة بأن بديل الوساطة هو الفوضى، وأن تخلي الدوحة عن هذا الدور سيترك فراغاً خطيراً تستغله قوى أخرى قد لا تضع حياة المدنيين فيأولوياتها.

وقال مجد عيون السود، دكتوراه في القانون الدولي لـ “وكالة أنباء تركيا”، “يبدو أنّ دولة قطر لن تخضعلما يهدف له العدوان الإسرائيلي من ضربته الأخيرة الغادرة على مكان إقامة وفد حماس المفاوض، وإضعاف همتها تجاه المفاوضات بما يُحقق مآرب هذا الكيان”.

وأضاف أنه “بعد انعقاد القمة العربية الإسلامية الطارئة تخرج دولة قطر لتُجدّد موقفها الحازم من حقالشعب الفلسطيني وموقفها الصلب من القضية الفلسطينية وثباتها على دور الوسيط بما يخدم مصالحالشعب الفلسطيني وإنقاذ ما تبقى من أرواح في دولة فلسطين لتسجل دولة قطر درساً في الدبلوماسيةالدولية في دور الوسيط والعمل بعقل وحكمة بما يخدم مصلحة القضية الفلسطينية”.

دور الإعلام والدبلوماسية العامة

لا يمكن إغفال دور الإعلام القطري، وعلى رأسه شبكة الجزيرة، في دعم النهج السياسي للدوحة. فالمنصات الإعلامية ساهمت في تسليط الضوء على المآسي الإنسانية، وأعطت صوتاً للضحايا، وهو ماساعد على تهيئة بيئة دولية تضغط باتجاه الحوار بدل التصعيد.

إلى جانب ذلك، نجحت قطر في استخدام الدبلوماسية العامة، عبر استضافة مؤتمرات وفعاليات دوليةتتناول قضايا السلام والتنمية، لتأكيد التزامها بهذا الدور.

المستقبل: وساطة مستمرة ورسالة واضحة

في ضوء التجارب السابقة، يبدو أن قطر عازمة على مواصلة هذا النهج، مع تركيز متزايد على الأبعادالإنسانية للأزمات. وبحسب محللين، فإن الدوحة تسعى لتكريس مفهوم جديد للدبلوماسية في المنطقة، يقومعلى الجمع بين الوساطة السياسية والعمل الإنساني، بما يجعلها طرفاً لا غنى عنه في أي مسار نحوالحلول.

وفي النهاية، يمكن القول إن الإصرار القطري على نهج الوساطة ينبع من مزيج من القيم الأخلاقيةوالمصالح الاستراتيجية، ويعكس رؤية لدور الدولة في القرن الحادي والعشرين: دور يتجاوز الجغرافيا، ويضع حماية الإنسان وكرامته في صميم السياسات الخارجية.

زر الذهاب إلى الأعلى