
في مشهد يتقاطع فيه الأمن القومي بالتحولات الإقليمية وملفات ما بعد “سوريا الجديدة”، برزت تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، حول التطورات في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، لتسلّط الضوء على حسابات معقّدة تدفع تركيا إلى متابعة ملف الجنوب السوري بدقة متزايدة.
الوزير التركي أكّد أن أنشطة الاحتلال الإسرائيلي في تلك المناطق خلقت “توترًا جديدًا، في إشارة واضحة إلى أن ما يجري جنوب سوريا بات يمسّ المصالح التركية مباشرة، وليس مجرد تطور محلي محدود.
هذا التوتر يعيد فتح سؤال مركزي: لماذا تهتم تركيا بملف الجنوب السوري في هذه المرحلة تحديداً؟
الإجابة تتضح من خلال تشابك ثلاثة مستويات: الأمن القومي التركي، مستقبل الدولة السورية الجديدة، والتدخل من الاحتلال الإسرائيلي الذي يتمدّد جغرافياً وسياسياً داخل الجنوب السوري.
الكاتب والمحلل السياسي أحمد العربي يرى في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن فهم الموقف التركي يبدأ من “واقع الدولة السورية بعد انتصار ثورتها”، موضحًا أن تركيا وقطر والسعودية تشكل الدول الداعمة لهذه الدولة الوليدة، ولكل منها حساباته الإقليمية.
وأضاف أن “ان المتتبع لواقع الدولة السورية بعد انتصار ثورتها، وأن تركيا وقطر والسعودية يمثلوا الدول الداعمة للدولة السورية الوليدة ولكل من هذه الدول حساباتها”.
وتابع “تركيا ترى في سورية دولة جارة استغلها النظام البائد للضرر في تركيا عبر دعم إرهاب حزب العمال الكردستاني لعقود، وكذلك الحال إرهاب حزب الاتحاد الديمقراطي ومشتقاته الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية قسد بما يؤسس لكيان كردي يضر بسورية ويقسمها ويشكل تهديد قومي لتركيا، لذلك دعمت تركيا الدولة السورية الجديدة ضد قسد ومحاولاتها التملص اتفاقات آذار من هذا العام لالحاق قسد وقواتها ومناطقها بالدولة السورية”.
وزاد بالقول “على مستوى آخر تصرفت إسرائيل وفق مصالحها بإضعاف الدولة السورية الجديدة وتوسعت في مناطق جنوبي سوريا درعا والسويداء والقنيطرة، في محاولة لتقسيم سوريا، لذلك اعتبرت تركيا هذا الاعتداء الإسرائيلي تهديد قومي لوحدة سوريا، وكذلك لتركيا الدولة الجارة والداعمة للدولة السورية الجديدة، وهذا ما عبّر عنه وزير خارجيتها هاكان فيدان وكذلك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومسؤولين آخرين، في إيحاء بأن تركيا لن تترك سوريا ضحية للتغول الإسرائيلي، وأنها ستدعم الدولة السورية بكل إمكاناتها لمواجهة هذه التهديدات”.
ويرى مراقبون، أنه وفق هذا الطرح، تصبح قراءة تركيا للجنوب السوري جزءًا من معادلة أكبر: حماية الدولة السورية الجديدة ومنع أي فراغ يسمح بتكريس كيانات أو نفوذ خارجي يهدد التوازن الإقليمي، وعلى رأس هذه المخاطر يأتي التمدد الإسرائيلي، الذي تسعى أنقرة إلى كبحه وتفكيك أهدافه.
وفي السياق، فإن التحركات الإسرائيلية الأخيرة، بما فيها زيارة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للجنوب السوري، حملت إشارات سياسية وأمنية ثقيلة لا يمكن لأنقرة تجاهلها، فالأمر ليس مجرد تدخل عابر، بل إعادة تشكيل بيئة استراتيجية تتصل مباشرة بما تصنّفه تركيا كـ (تهديد قومي).
بدوره، الخبير في العلاقات الدولية والقانون الدولي الدكتور مجد عيون السود يقدّم قراءة دقيقة للمشهد، قائلاً لـ “وكالة أنباء تركيا”، “لاشك أنّ تركيا تخشى بشكل عميق من من سلوكيات الكيان الاسرائيلي في الداخل السوري وتحديدًا في منطقة الجنوب (القنيطرة ودرعا والسويداء)، وتصريح وزير الخارجية التركي الأخير يؤكّد أنّ مخاوف تركيا بارزة بسبب تصرفات اسرائيل في سوريا ودخول نتنياهو للجنوب هو رسالة صاخبة لا تحمل مفهوم دبلوماسي طيب، وأن لهذه السلوكيات مخاوف أمنية ليس تجاه سوريا وسيادتها وإنما تركيا وقراراتها أيضاً”.
واعتبر أن “اهتمام تركيا بالجنوب السوري ناتج عن مصالح اقليمية ومصلحة أمن قومي لتركيا بشكل خاص، فهي ترفض النفوذ الاسرائيلي وتعمل على ضبط الفكر السلوكي لإسرائيل، انطلاقًا من سياسة إسرائيلية تؤجج الصراع والحاضنة الشعبية في الجنوب السوري ضد القيادة السورية، ويعطي لإسرائيل مجالاً للتجاوزات في السيادة السورية تحت ذريعة حماية الأقليات”.
وزاد بالقول “انطلاقاً من المصلحة الاقليمية والوطنية بين تركيا وسوريا بعد سقوط بشار الأسد تجد تركيا أنّ اهتمامها بملف الجنوب السوري من سلّم الاولويات الأمنية والاقليمية بما يضمن مصالح البلدين والمشهد ليس مريحًا حتى الساعة”.
وتشير هذه القراءة إلى أن تركيا تتعامل مع الجنوب السوري باعتباره صمام أمان، ليس فقط لسوريا الجديدة، بل لأمن حدودها والتوازن الاستراتيجي في الإقليم، فالتوسع الإسرائيلي في الجنوب، إن تُرِك دون رد، يُنذر بتغيير قواعد اللعبة في سوريا كلها.
ووفق مراقبين، فإن تركيا، وفق المعطيات الحالية، تتحرك ضمن معادلة: دعم سوريا الجديدة، منع قيام كيان كردي، والتصدي للنفوذ الإسرائيلي المتسارع. وهذه المعادلة باتت أكثر إلحاحًا بعد دخول الاحتلال الإسرائيلي على خط الجنوب بشكل مباشر، بما يحمله ذلك من رسائل سياسية تتجاوز الحدود.
ووسط كل ذلك، فإن تصريحات وزير الخارجية التركي ليست مجرد موقف اعتيادي، بل انعكاس لمعادلة أمنية جديدة تتشكل جنوبي سوريا، فالملف لم يعد محليًا، بل أصبح عقدة جيوسياسية تمسّ مصالح تركيا القومية وتوازنات المنطقة.
ومع استمرار التوتر الإسرائيلي وتقدّم الدولة السورية الجديدة بخطاب سياسي مختلف، تبدو تركيا مصمّمة على لعب دور مباشر في ضمان عدم تحوّل الجنوب إلى ساحة نفوذ خارجي يهدد مستقبل سوريا ووحدة أراضيها، ويعيد تشكيل حدود المخاطر على مستوى الإقليم بأكمله.







