
وجّهت خطبة الجمعة في عموم مساجد تركيا، اليوم، رسالةً قويةً دعت إلى فيها إلى مواجهة ظاهرة العنف عبر “التعليم القائم على الرحمة”، معتبرة إياه السبيل الأنجع لاستعادة الإنسانية وبناء مجتمعاتٍ سليمةٍ معنويًا واجتماعيًا.
وأكد الخطيب أن حياة الإنسان، بكل أعماره وأجناسه، هي حياةٌ مُقدَّسة لا يجوز الاعتداء عليها لفظيًا أو جسديًا، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”.
كما أضاف أن العنف لا يُحلّ المشكلات، بل يُعمّق الجراح، ويُضعف الروابط المجتمعية، ويعيق بناء أجيالٍ واعيةٍ متزنة، داعيًا إلى تكثيف الجهود التربوية داخل البيت والمدرسة، ووضع معلّمي الأمة في مكانةٍ عليا كصُنّاعٍ للمستقبل بأخلاقهم وسماحتهم.
واختتم الخطيب دعوته بنبذ ثقافة الغضب والعنف، واعتماد لغة القلب، منبهًا إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم “لا يرحم الله من لا يرحم الناس”.
نص الخطبة:
البشر هم الكائنات الأكثر قيمة على وجه الأرض، إنهم يستحقون كل أنواع الاحترام. حياة جميع البشر، سواء كانوا نساء أو رجالا أو أطفالا أو شبابا أو مسنين، هي حياة مقدسة.
لذلك لا يمكن قبول أي شكل من أشكال العنف، بغض النظر عمن يرتكبه أو من يتعرض له أو ما قد يكون السبب وراءه، سواء في الأسرة أو في الحياة الاجتماعية أو في وسائل الإعلام الرقمية، لا ينبغي أن يتضرر أحد من الكلمات أو المواقف أو السلوكيات، ولا ينبغي انتهاك شرف وكرامة أحد.
وصف نبينا صلى الله عليه وسلم المسلم كما يلي “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”.
نحن نعيش في زمن أصبح فيه العنف أمرا شائعا، وأصبح التنمر بين الأقران أكثر انتشارا يوما بعد يوم، واعتبر الناس أن مشاركة خلافاتهم مع بعضهم البعض على وسائل التواصل الاجتماعي فضيلة، وأصبحت سلامة الممتلكات والأرواح مهملة في الشوارع ووسائل النقل العام والمرور.
إن الإدمان على الكحول والمقامرة والمخدرات، والألعاب الرقمية التي تحرض على الشر، والشاشات الملوثة بالأمثلة السيئة، كلها أمور تفسح المجال للانتشار اليومي للعنف، ولكن العنف لا يحل المشاكل، بل على العكس، إنه يدمر الحب، ويعزل الناس، ويفسد المجتمع. في الحقيقة، لا يوجد أي أثر للعنف في حياة نبينا الحبيب الذي نتشرف بأن نكون جزءا من أمته.
وقد قال النبي الكريم “إن أشد الناس عذابا يوم القيامة، أشدهم عذابا للناس في الدنيا”، معلنا بذلك أن العنف والظلم لن يمرا دون عقاب.
علاج العنف هو التعليم القائم على الرحمة، الأطفال الذين عهد الله بهم إلينا، يتعلمون الإيمان والخير والرحمة والمحبة والاحترام من أسرهم أولا.
وفي هذا الصدد، يجب على كل أم وأب يتخذان الآية “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة” دليلا لهما أن يلامسا قلوب أطفالهما، ويداعبا رؤوسهم، ويجتهدا في تربيتهم ليكونوا عبادا صالحين لله تعالى، وأفرادا مفيدين للمجتمع.
كما أن المعلمين هم من بين أهم الأشخاص في رحلة الطفل نحو المعرفة والحكمة.
وقد بشر نبينا صلى الله عليه وسلم أولئك الذين يقومون بواجب التعليم والتربية المقدس بقوله “من علم علما فله أجر من عمل به”، فكل معلم يكون قدوة لطلابه بأخلاقه وسلوكه ورحمته وشفقته، هو ضمان للفضيلة والنزاهة في المجتمع.
لنطرد ظلال العنف من حياتنا، ولنملأ قلوبنا بالحب وبيوتنا ومدارسنا بالرحمة، ولنطفئ شرارات الغضب في قلوبنا بوابل من الرحمة، ولنزرع بذور الحب والاحترام والتفاهم والمشاركة في قلوب أطفالنا، دعونا لا ننسى أن الكلمة الطيبة التي تنقش في ذهن الطفل، والرحمة والحب اللذين يزرعان في قلبه، سيكونان شتلة تزرع من أجل عالم سلمي غدا.
وفي هذه المناسبة، نتذكر بامتنان آباءنا ومعلمينا ومرشدينا ومدرسي القرآن الذين أرشدونا إلى تعليم الرحمة، وأحب أن أختم خطبتنا بهذا التحذير من رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يرحم الله من لا يرحم الناس”.





