تقاريرهام

تفعيل حلف مكة الدفاعي.. ما الذي يمكن أن تقدمه تركيا إلى السعودية؟ (تقرير)

دخل اتفاق حلف مكة الدفاعي المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان مرحلة التنفيذ العملي، مع إعلان الدول الثلاثة، في 5 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، الانتقال الفوري إلى تطبيق التزامات الدفاع المشترك، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها ونشرها سريعاً في السعودية، في خطوة تعكس انتقال الاتفاق من الإطار السياسي إلى ترتيبات أمنية وعسكرية أكثر مباشرة.

ويضع هذا التطور تركيا أمام اختبار يتعلق بطبيعة الدور الذي تستطيع القيام به في حماية الأمن السعودي، في ظل امتلاكها قاعدة صناعية دفاعية متنامية وخبرات في الطائرات المسيّرة والاستطلاع والأنظمة العسكرية.

وتتجاوز أهمية الاتفاق توفير دعم عسكري للرياض، إذ يفتح المجال أمام إعادة تنظيم التعاون الدفاعي بين الدول الثلاثة، وتطوير الصناعات العسكرية المشتركة، وتبادل المعلومات والخبرات، وبناء ترتيبات للردع الجماعي في منطقة تتزايد فيها التهديدات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة وأمن الملاحة.

من التوقيع إلى التنفيذ

وقّع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، اتفاقية مكة للدفاع المشترك في 7 آب/أغسطس 2026، خلال قمة استضافتها مدينة مكة المكرمة.

ونص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، مع الالتزام بتطوير مختلف أوجه التعاون الدفاعي.

وفي 31 آب/أغسطس، اتفقت الدول الثلاثة، خلال اجتماع اللجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية في إسطنبول، على اتخاذ خطوات إضافية لمأسسة التعاون، بما يشمل إنشاء أمانة عامة في السعودية، وتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية وتطوير التكنولوجيا والإنتاج المشترك.

وجاء اجتماع الرياض في 5 تشرين الأول/أكتوبر الجاري ليمنح الاتفاق بُعداً تنفيذياً أكثر وضوحاً، إذ قررت اللجنة الانتقال الفوري إلى تطبيق التزامات الدفاع الجماعي، واتخاذ التدابير اللازمة لتوفير القدرات العسكرية المتفق عليها وضمان سرعة نشرها داخل السعودية، وفق الترتيبات المعتمدة والتشريعات الوطنية للدول الأعضاء.

كما عيّنت اللجنة الفريق الباكستاني المتقاعد نعمان محمود أول أمين عام للتحالف لمدة ثلاث سنوات، في مؤشر إلى بدء بناء هيكل مؤسسي يتولى متابعة تنفيذ الاتفاق وتنسيق أعماله.

وتكتسب هذه الخطوات أهميتها من أنها تضع الدول الثلاث أمام أسئلة عملية، تتعلق بنوعية القوات والقدرات التي ستقدمها كل دولة، وآليات القيادة والتنسيق، وطبيعة التهديدات التي يستهدف الاتفاق مواجهتها، وحدود الاستجابة العسكرية في حال تعرض إحدى الدول الأعضاء لهجوم.

ما الذي تستطيع تركيا تقديمه عسكرياً؟

لا يقتصر الدور التركي المحتمل على إرسال قوات أو تزويد السعودية بأسلحة إضافية، بل يشمل مجموعة من القدرات التي يمكن توظيفها في إطار الدفاع المشترك، من بينها الدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة، والاستطلاع، والدعم الفني واللوجستي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب التدريب والتصنيع العسكري المشترك.

وفي تطور لافت، أفادت وكالة رويترز في 7 تشرين الأول/أكتوبر أن تركيا تقدم دعماً تقنياً ودفاعياً للسعودية في مواجهتها مع الحوثيين، يشمل معدات عسكرية ومعلومات استخباراتية وأنظمة تسليح ومساندة لوجستية، مع الإشارة إلى أن بعض أوجه التعاون تجري حالياً على أساس ثنائي.

ويبرز الدفاع الجوي بوصفه أحد المجالات التي يمكن أن تسهم فيها أنقرة، خصوصاً في مواجهة تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، فاعتراض هذه التهديدات لا يعتمد على امتلاك منظومات صاروخية فحسب، بل يتطلب أيضاً رادارات قادرة على الكشف المبكر، وأنظمة قيادة وسيطرة، ووسائل تشويش وحرب إلكترونية، وقدرات على تحديد مصادر الهجمات والتعامل معها بسرعة.

وتستطيع تركيا، من خلال خبراتها الدفاعية وشركاتها المتخصصة، المساهمة في تطوير هذه المنظومة وتكاملها، فضلاً عن توفير التدريب والدعم الفني. غير أن طبيعة المساهمة الفعلية ستظل مرتبطة بالاحتياجات السعودية، والاتفاقات التنفيذية بين الدول الثلاثة، ومدى توافق الأنظمة المستخدمة مع بعضها.

وتأتي الطائرات المسيّرة في مقدمة المجالات التي يمكن أن تعزز التعاون. فقد سجلت شركة “بايكار” التركية صادرات بقيمة 2.2 مليار دولار من الطائرات المسيّرة خلال عام 2025، بحسب بيانات أعلنتها الشركة في كانون الثاني/يناير 2026، فيما تجاوزت صادرات تركيا من الصناعات الدفاعية والطيران 10 مليار دولار في العام نفسه.

وتعكس هذه الأرقام اتساع القاعدة الصناعية التي تستطيع أنقرة الاستناد إليها في شراكاتها العسكرية الخارجية.

وتوفر المسيّرات إمكانيات متعددة، من المراقبة والاستطلاع وجمع المعلومات إلى تنفيذ مهام عسكرية محددة، لكن فعاليتها في مواجهة الهجمات لا تنفصل عن منظومات الإنذار المبكر والدفاع الجوي والتشويش الإلكتروني، ولذلك، قد تكون القيمة المضافة التركية في الجمع بين المعدات والخبرة التشغيلية والتدريب، لا في توريد الطائرات وحدها.

ولا يبدأ التعاون السعودي التركي من الصفر، فقد شهدت العلاقات الدفاعية بين البلدين خلال السنوات الماضية توسعاً في صفقات التسليح ومشروعات الإنتاج المحلي ونقل التكنولوجيا.

وفي شباط/فبراير 2026، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وجود توجه لتعميق التعاون في الصناعات الدفاعية مع السعودية، بما في ذلك بحث الاستثمار المشترك في مشروع المقاتلة التركية “قاآن”.

ويمكن أن يوفر اتفاق مكة إطاراً أوسع لتطوير هذه العلاقات من خلال الانتقال من الصفقات الثنائية إلى تخطيط دفاعي مشترك، يشمل تحديد الاحتياجات، وتنسيق المشتريات، وتبادل الخبرات، وتطوير أنظمة متوافقة، وصولاً إلى الإنتاج المشترك.

ويمنح هذا المسار الرياض فرصة لتوسيع قاعدة مورديها الدفاعيين، بينما تحصل أنقرة على شريك يمتلك موارد مالية كبيرة وسوقاً واسعة ومصلحة في توطين الصناعات العسكرية.

أنقرة تريد الانتقال من بيع السلاح إلى صياغة الأمن الإقليمي

وقال الباحث السياسي في مركز جسور للدراسات ماهر التمران في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “الدور التركي في اتفاق مكة لا يمكن اختزاله في تقديم مساعدة عسكرية للسعودية، بل يرتبط بإعادة توزيع الأدوار الإقليمية ومحاولة أنقرة تحويل قدراتها الدفاعية إلى نفوذ سياسي مستدام”.

وأضاف التمران أنه “لا يمكن قراءة الدور التركي في اتفاق مكة بوصفه مساعدة عسكرية للسعودية فحسب؛ فالمسألة تتصل بإعادة توزيع الأدوار الإقليمية، وبمحاولة أنقرة تحويل قدراتها الدفاعية إلى نفوذ سياسي مستدام، فالسعودية تمتلك الثقل المالي والجغرافي، بينما توفر تركيا قاعدة صناعية عسكرية وخبرات في الطائرات المسيّرة والاستطلاع والحرب الإلكترونية، وتضيف باكستان ثقلاً عسكرياً وخبرة في إدارة منظومات دفاعية واسعة.. لكن جمع هذه القدرات لا يصنع تحالفاً متماسكاً تلقائياً”.

وأوضح أن “بناء تحالف فعّال يتطلب تحديد طبيعة التهديدات المشتركة، ووضع آليات واضحة لاتخاذ القرار، وتحديد حدود التدخل وصلاحياته عند وقوع هجوم”.

ورأى أن “الاتفاق يتيح لأنقرة فرصة للانتقال من موقع الدولة المصدرة للسلاح إلى موقع الشريك المساهم في صياغة الأمن الإقليمي، بما يعزز حضورها في الحسابات السعودية، ويفتح الباب أمام شراكات صناعية وتكنولوجية طويلة الأمد.. وفي المقابل، تستطيع الرياض تنويع مصادر قدراتها الدفاعية وتقليل اعتمادها على ترتيبات أمنية محدودة الخيارات”.

لكن التمران أشار إلى أن “تركيا، رغم سعيها إلى توسيع نفوذها، لا تريد بالضرورة الانجرار إلى حرب مفتوحة مع الحوثيين أو إيران، ما يجعل دعم الدفاع الجوي والاستخبارات والتكنولوجيا أحد المسارات التي قد تحقق لأنقرة مكاسب استراتيجية من دون تحمل كلفة تدخل بري واسع”.

وأضاف التمران أن “المكسب السعودي لا يتمثل في استبدال المظلة الأميركية بتحالف جديد، بل في توسيع الخيارات وتقليل الاعتماد الأمني على شريك واحد”، لافتاً إلى أن “الاتفاق لا يزال بحاجة إلى مستوى أعلى من التكامل المؤسسي والقيادي حتى يتمكن من العمل بكفاءة التحالفات الدفاعية الراسخة”.

التدريب وتبادل المعلومات من أبرز مجالات الدعم

من جهته، قال الكاتب السياسي عبد الرحيم خليفة، إن “تركيا تمتلك قدرات عسكرية كبيرة وخبرات ميدانية اكتسبتها خلال عملياتها العسكرية، إلى جانب تطور صناعتها الدفاعية ومكانتها داخل حلف شمال الأطلسي”.

وأضاف خليفة في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا” أن “تركيا تتمتع بقدرات عسكرية كبيرة لا يُستهان بها، إضافة إلى ما لديها من خبرات عملية في حربها الطويلة مع PKK الإرهابي، وفي مناطق جبلية وعرة”.

وتابع “وكما هو معلوم، فإن تركيا دولة مصدّرة للسلاح، وهي بالأصل ثاني أكبر دولة في حلف الناتو، وعليه، فهي تملك الكثير مما يمكن أن تقدمه للمملكة العربية السعودية، في مجالات التدريب وتبادل الخبرات والمعلومات، وحتى تقديم المساعدات العسكرية، خصوصاً أنها طوّرت جيلاً من الطائرات المسيّرة التي تحتاج إليها السعودية في حربها مع الحوثيين في اليمن”.

ورأى خليفة أن “وضع اتفاق مكة موضع التنفيذ من شأنه توفير دعم إضافي لأمن السعودية واستقرارها، فضلاً عن تعزيز مكانة تركيا الإقليمية والدولية، معتبراً أن الاتفاق يمكن أن يشكل عامل ردع في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها المنطقة”.

وقال خليفة، إن “وضع اتفاق مكة موضع التنفيذ سيحمي السعودية إلى حدّ كبير، ويوفر لها عوامل الأمن والاستقرار. والأهم من ذلك أنه سيقدّم تركيا بوصفها دولة ذات نفوذ وتأثير إقليمي ودولي، وعامل ردع يُحسب له أكثر من حساب في مواجهة المشاريع التي تستهدف المنطقة وتشكل مخاطر عليها”.

ولفت إلى أن “الاتفاق نشأ استجابة للحاجة إلى معالجة الفراغ الأمني والسياسي في المنطقة، وتطوير نظام دفاعي وأمني وسياسي قادر على مواجهة الاعتداءات التي قد تستهدف الدول الأعضاء بصورة منفردة أو جماعية”.

حدود الدور التركي وتحديات التحالف

على الرغم من اتساع المجالات المتاحة أمام تركيا، فإن ترجمة الالتزامات السياسية إلى تعاون عسكري مستدام ستتوقف على عدد من الاعتبارات، في مقدمتها طبيعة المشاركة التركية، والآليات القانونية التي تحكم نشر القوات، ومدى استعداد أنقرة لتحمل تبعات الانخراط المباشر في مواجهة إقليمية.

وكانت وزارة الدفاع التركية قد أكدت، في آب/أغسطس الماضي، أن الاتفاق دفاعي بطبيعته ولا يحدد دولة بعينها بوصفها عدواً مشتركاً، مشيرة إلى أنه يستهدف وضع العلاقات القائمة بين الدول الثلاثة في إطار أكثر مؤسسية واستدامة.

ويعني ذلك أن تفعيل الاتفاق لا يفرض بالضرورة اعتماد نموذج واحد للمشاركة العسكرية، بل يمكن أن تتوزع المساهمات بين القوات والأنظمة الدفاعية والتدريب والاستخبارات والدعم اللوجستي والتصنيع المشترك، وفق احتياجات كل مرحلة والترتيبات التي تتفق عليها الدول الأعضاء.

وتبقى مسألة التكامل العملياتي من أبرز التحديات، إذ يتطلب التعاون بين ثلاث قوات مسلحة تعمل بأنظمة وتسليح وإجراءات مختلفة بناء آليات مشتركة للقيادة والسيطرة وتبادل المعلومات والتنسيق الميداني.

كما أن تحديد الظروف التي تستدعي تدخلاً عسكرياً مباشراً، والحدود الجغرافية لهذا التدخل، وطبيعة الاستجابة المطلوبة، سيكون أساسياً لتجنب التباين في تفسير الالتزامات الدفاعية.

زر الذهاب إلى الأعلى