تقارير

دعم متواصل وموقف ثابت.. قطر تفتح نافذة جديدة أمام لبنان (تقرير)

تؤكد دولة قطر استمرار وقوفها إلى جانب لبنان، عبر تحرك سياسي واقتصادي وأمني يستهدف دعم مؤسسات الدولة، وتخفيف الأعباء عن الاقتصاد، والمساهمة في معالجة أزمة الكهرباء وإعادة الإعمار، بالتوازي مع المطالبة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.

وجاءت زيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، إلى بيروت في 16 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، لتجدد هذا الالتزام، وتضع التعاون بين البلدين أمام مرحلة جديدة تتجاوز المواقف التضامنية إلى بحث مشروعات قابلة للتنفيذ.

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة في ظل تداخل الأزمات الاقتصادية والمالية مع التحديات الأمنية التي تواجه لبنان، واستمرار تداعيات الحرب على مناطق واسعة، ولا سيما في الجنوب، حيث يرتبط استقرار السكان بوقف الأعمال العسكرية وإعادة تأهيل المناطق المتضررة.

وفي هذا السياق، حملت المباحثات القطرية رسائل سياسية واضحة بشأن دعم سيادة لبنان ووحدة أراضيه، إلى جانب طرح مسارات عملية للتعاون في قطاعات الطاقة والاستثمار والتنمية.

تحرك قطري على أكثر من مسار

عكست لقاءات الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، والمدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير، اتساع نطاق التحرك القطري، الذي لا يقتصر على العلاقات الثنائية، بل يشمل دعم الاستقرار وتعزيز قدرة المؤسسات اللبنانية على مواجهة التحديات.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره اللبناني، استمرار دعم الدوحة للبنان وشعبه، مشدداً على الالتزام بسيادته وأمنه واستقراره ووحدة أراضيه، ومواصلة مساندة الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة.

كما أشار إلى توجيهات أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بتقديم الدعم للبنان بالإمكانات المتاحة، بما يساعد على إنعاش اقتصاده وتعزيز قدرته على التعافي.

ولا ينفصل هذا التحرك عن الرصيد السياسي الذي راكمته الدوحة في لبنان على مدى عقود.

فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1972، حافظت قطر على حضور سياسي وإنساني واقتصادي، وبرز دورها في أعقاب حرب تموز 2006 من خلال المساهمة في جهود إعادة الإعمار.

كما شكل اتفاق الدوحة عام 2008 محطة بارزة في الوساطة القطرية، عندما ساعد على احتواء أزمة سياسية داخلية وفتح الطريق أمام تسوية أعادت تحريك المؤسسات الدستورية.

وتمنح هذه التجربة قطر مساحة للتحرك بين الأطراف اللبنانية والإقليمية، لكنها تجعل التحدي الحالي أكثر تعقيداً، إذ يتطلب الانتقال من احتواء الأزمات إلى توفير دعم مستدام يساعد لبنان على معالجة أسبابها الاقتصادية والمؤسساتية والأمنية.

الكهرباء.. مشروع يتجاوز المساعدات المؤقتة

يبرز قطاع الكهرباء بوصفه أحد أهم محاور التحرك القطري، في ظل استمرار أزمة الطاقة التي تثقل كاهل الاقتصاد اللبناني وتؤثر في الخدمات الأساسية والأنشطة الإنتاجية.

وأعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن بيروت والدوحة تقتربان من التوصل إلى مشروع مشترك لإعادة تأهيل وتطوير وتحديث البنية التحتية لإنتاج الكهرباء، وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، بما لا يرتب تكاليف استثمارية مسبقة على الخزينة اللبنانية.

ويقوم هذا النموذج على تمويل المشروع وتنفيذه وتشغيله من جانب الجهة المستثمرة، قبل نقل ملكيته وفق الشروط المتفق عليها.

ومن شأن تطبيقه أن يتيح للبنان الاستفادة من التمويل والخبرات الفنية دون تحميل المالية العامة أعباء استثمارية أولية، شرط استكمال الاتفاقات وتحديد آليات التشغيل والتعرفة والرقابة وضمان استدامة الخدمة.

وفي هذا الإطار، كشف الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني عن اتفاق بين شركة قطر للطاقة وشركة توتال إنرجيز الفرنسية على التطوير المشترك لمحطة للطاقة الشمسية في لبنان، واصفاً المشروع بأنه خطوة أولى ضمن إطار أوسع للتعاون في قطاع الطاقة.

وتعمل الدوحة وبيروت على بلورة مشروع استثماري متكامل يحقق منفعة اقتصادية للطرفين، ويفتح المجال أمام مشاركة الشركات القطرية في تطوير البنية التحتية اللبنانية.

ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على زيادة إنتاج الكهرباء، بل تمتد إلى تحسين الظروف اللازمة لجذب الاستثمارات وتحريك القطاعات الاقتصادية التي تحتاج إلى إمدادات مستقرة للطاقة.

غير أن نجاحها سيظل مرتبطاً بوضوح العقود، والشفافية في التنفيذ، والإصلاحات المطلوبة في قطاع الكهرباء، حتى تتحول المساهمة القطرية إلى معالجة طويلة الأمد لا إلى استجابة مؤقتة لأزمة متراكمة.

دعم الجيش وتعزيز استقرار لبنان

يمثل دعم الجيش اللبناني ركناً أساسياً في السياسة القطرية تجاه بيروت، انطلاقاً من دوره في حماية الأمن الداخلي وصون وحدة البلاد وتعزيز سلطة المؤسسات الرسمية.

وجدد رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري تأكيد استمرار هذا الدعم خلال لقائه قائد الجيش، مشيراً إلى بحث آفاق التعاون في المرحلة المقبلة.

ويكتسب هذا المسار أهمية في ظل التحديات الأمنية التي تواجه لبنان، والحاجة إلى تعزيز قدرات الجيش وتجهيزاته وإمكاناته اللوجستية، بما يساعده على أداء مهامه الوطنية.

كما أن اقتراب انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» يضع مسألة ترتيبات الاستقرار في الجنوب ضمن الملفات التي تحتاج إلى تنسيق دولي ودعم للمؤسسات اللبنانية.

وفي هذا السياق، يمكن أن تسهم العلاقات القطرية الدولية في حشد المساندة للجيش وتوفير الدعم اللازم لاستمرار عمله، بالتوازي مع دعم مؤسسات الدولة الأخرى.

وكانت قطر قد قدمت مساعدات للجيش اللبناني خلال السنوات الماضية، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية التي أضعفت قدرة الدولة على تمويل احتياجات مؤسساتها.

لكن الرهان لا يتعلق بالدعم العسكري وحده، بل بقدرته على تعزيز حضور الدولة وترسيخ الاستقرار، بالتوازي مع الجهود السياسية الرامية إلى منع تجدد المواجهات.

ومن هنا، تبرز أهمية استمرار الدور القطري في دعم المؤسسات الرسمية، بما يحفظ وحدة لبنان ويعزز قدرته على التعامل مع المخاطر الأمنية.

موقف واضح من الاحتلال وإعادة الإعمار

على المستوى السياسي، شددت الدوحة على ضرورة انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من جميع المناطق اللبنانية المحتلة، ووقف الاعتداءات والالتزام بالتفاهمات القائمة، إلى جانب تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 من جميع الأطراف.

وأكد الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني أن قطر تدعم لبنان في الإجراءات التي يتخذها إزاء ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، مشدداً على ضرورة تسليم الأراضي المحتلة إلى الجيش اللبناني. كما أدانت الدوحة الاعتداءات الإسرائيلية على قوات حفظ السلام والانتهاكات التي تطال الأراضي اللبنانية.

وتعكس هذه المواقف توجهاً قطرياً يربط استقرار لبنان باحترام سيادته ووحدة أراضيه، وعدم الاكتفاء بتهدئة مؤقتة تبقي أسباب المواجهة قائمة.

وفي المقابل، لا تستطيع الدوحة وحدها فرض الانسحاب الإسرائيلي، لكنها تستطيع توظيف علاقاتها الإقليمية والدولية لدعم التحرك الدبلوماسي، والدفع باتجاه وقف الاعتداءات وتوفير الظروف اللازمة لعودة النازحين إلى مناطقهم.

وتشكل إعادة الإعمار امتداداً أساسياً لهذا المسار، إذ تحتاج المناطق المتضررة إلى تمويل وخطط تنفيذية تتيح إعادة تأهيل البنية التحتية والمساكن والخدمات العامة، بما يساعد السكان على استعادة حياتهم ومصادر رزقهم. وأكدت المباحثات القطرية اللبنانية أهمية التعاون في هذا المجال، إلى جانب الطاقة والاستثمار والتنمية.

ويمنح سجل قطر في إعادة إعمار ما دمرته حرب عام 2006 أساساً لتوسيع التعاون في المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا اقترنت المساعدات بمشروعات واضحة الأولويات، وآليات شفافة للتمويل والتنفيذ، بما يضمن وصول الدعم إلى المناطق والفئات الأكثر تضرراً.

من الوساطة إلى شراكة طويلة الأمد

يتجاوز التحرك القطري الملفات الاقتصادية والأمنية المباشرة إلى دعم الاستقرار السياسي اللبناني، في ظل الحاجة إلى استمرار الحوار بين القوى المختلفة وتجنب أي تصعيد داخلي قد يضاعف آثار الأزمات القائمة.

وتواصل الدوحة جهودها ضمن اللجنة الخماسية المعنية بلبنان، في إطار مساعٍ تستهدف دعم استقراره ومؤسساته وتعزيز فرص التفاهم بين الأطراف المعنية.

ويستند الدور القطري هنا إلى خبرة طويلة في الوساطة، وإلى علاقات إقليمية ودولية تتيح للدوحة التواصل مع أطراف متعددة.

ويمكن لهذه الإمكانات أن تساعد في تهيئة مناخ للحوار بشأن القضايا الخلافية، بما فيها الملفات الأمنية ومستقبل دور الدولة في إدارة شؤون الدفاع، من دون أن يعني ذلك امتلاك قطر القدرة على فرض تسوية على اللبنانيين أو اتخاذ القرارات نيابة عنهم.

اقتصادياً، يتيح التعاون في قطاع الطاقة، إلى جانب فرص الاستثمار والتنمية، بناء شراكة تتجاوز تقديم المساعدات الطارئة. فنجاح المشروعات المشتركة يمكن أن يساعد في تحسين الخدمات، وخلق فرص اقتصادية، وتعزيز ثقة المستثمرين، شرط أن تترافق المبادرات مع إصلاحات مالية وإدارية تضمن استدامتها.

وتؤكد قطر أن دعمها للبنان يشمل قطاعات التنمية والتعليم والصحة، فضلاً عن الاقتصاد والطاقة ومساندة الجيش ومؤسسات الدولة.

ويعكس هذا الاتساع رؤية تقوم على التعامل مع احتياجات لبنان باعتبارها ملفات مترابطة، لا أزمات منفصلة يمكن حل كل منها بمعزل عن الأخرى.

في المحصلة، تمنح زيارة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري إلى بيروت زخماً جديداً للعلاقات الثنائية، وتضع أمام البلدين فرصة للانتقال من التأكيدات السياسية إلى تنفيذ مشروعات عملية في الكهرباء والاستثمار وإعادة الإعمار، بالتوازي مع دعم الجيش والتحرك الدبلوماسي لحماية السيادة اللبنانية.

ولا يعني ذلك أن قطر قادرة وحدها على إنهاء أزمات لبنان المتراكمة، لكن توظيف رصيدها السياسي وإمكاناتها الاقتصادية وعلاقاتها الدولية قد يوفر دعماً مهماً لمسار التعافي.

ويبقى نجاح هذا الدور مرتبطاً بقدرة الجانبين على تحويل التفاهمات إلى اتفاقات واضحة، وبمدى استعداد المؤسسات اللبنانية لتوفير الشروط اللازمة لتنفيذها.

ووسط كل ذلك، لا تقتصر الرسالة القطرية على تجديد التضامن مع لبنان، بل تتجه نحو بناء شراكة تساعده على استعادة قدرته الاقتصادية وتعزيز مؤسساته وحماية استقراره، وهي مقاربة تضع الدعم في إطار طويل الأمد، يجمع بين التنمية والوساطة والعمل الدبلوماسي، ويمنح اللبنانيين فرصة إضافية لمواجهة التحديات الراهنة.

زر الذهاب إلى الأعلى