مدونات TRهام

أهمية عملية “نبع السلام” التركية وموقف دول المنطقة منها

بدأت تركيا تدق طبول الحرب شمالي سوريا بشكل كبير، بعد أن صرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنّه عزم على البدء في عمليّة عسكرية (نبع السلام) واسعة شرقي الفرات خلال  48 ساعة، لاجتثاث ميليشيات تنظيم PKK/PYD الإرهابي، وإنشاء المنطقة الآمنة.

تناقشت تركيا مع أمريكا مرّات عِدّة بشأن التعاون على إقامة المنطقة العازلة شمالي سوريا، وإيقاف أمريكا الدعم للميلشيات الإرهابية أو ما يسمى بـ”قسد”، فما وجدتْ من أمريكا إلا المزيد من المماطلة واللّف والدوران، وفي نفس الوقت الذي كانت أمريكا تماطل فيه كانت تساند قوات سورية الديمقراطية (قسد) بكرم وسخاء، وتتعامل معها كالحليف الداعم، فقدمتْ لها الخبرة والتكتيكات العسكرية ما جعل تلك الميليشيات على درجة عالية من الجاهزية والتسليح والتدريب، وأمدتها بالأسلحة المتطورة، إضافة إلى الدعم المالي والنفسي والسياسي والتحريضي.

مواقف الدول اللاعبة في سوريا من إقامة المنطقة العازلة أو الآمنة:

  1. تركيا:

بدتْ تركيا جادّة في العمليّة العسكريّة شرقي الفرات، والدليل على ذلك:

  • حثّها للمجتمع الدولي والدول اللاعبة في المنطقة على إقامة المنطقة العازلة منذ سنوات والثبات على هذا الموقف.
  • التخطيط لهذه العمليّة مُسبقاً ورسم حدود المنطقة الآمنة.
  • إعلان الرئيس أردوعان أن العمليّة ستنطلق خلال 48 ساعة.
  • التفاهم مع روسيا وإيران على ذلك.
  • رغبة تركيا في تأمين حدودها من الإرهاب.
  • أصبحت هذه المسألة تؤرّق السياسة والاقتصاد التركي فالخلاص منها صار لزاماً.
  • حشد القوات العسكرية بالأسلحة الثقيلة منذ سنوات على الحدود مع سورية والتحضير لها بشكل كبير.
  • نجاح تركيا في تطهير المناطق السورية (الباب وجرابلس وأعزاز) من الميليشيات الإرهابية في وقت قصير وخسائر محدودة.
  • شراء منظومة صواريخ روسية S400، وكلّ ذلك جعل تركيا أكثر جديّة في إطلاق هذه العمليّة.

ما هدف تركيا من إقامة المنطقة الآمنة؟

  • حماية لأمنها القومي وحدودها من جميع الميليشيات الإرهابية التي غدتْ سوريا أرضاً خصبة لها، كميليشيات تنظيم PKK/PYD الإرهابي، و”داعش” وغيرها من التنظيمات الإرهابية.
  • المنطقة الآمنة ستكون ملاذاً لجميع السوريين الهاربين من جحيم الحرب والدمار التي تقودها روسيا وإيران والنظام السوري، وخطر PKK/PYD و”داعش”، وبعض الميلشيات الشيعيّة الإيرانيّة والعراقيّة واللبنانيّة.
  • المنطقة الآمنة ستكون مَوئلاً لكثير من السوريين اللاجئين في تركيا، بل في كثير من دول العالم، الحالمين بالرجوع إلى بلادهم وأهلهم إن أصبحت دار أمان.
  • المنطقة الآمنة ستكون انتصاراً شعبياً لأردوغان وحزبه، ونجاحها سيرفع من شعبيته، فهي من اقتراحاته لحلّ مشكلة اللجوء السوري، وحماية الحدود.
  • المنطقة الآمنة قد تشكّل نقاط توافق حزب العدالة والتنمية مع المعارضة التركية الرافضة للتواجد السوري على أرضها.
  • المنطقة الآمنة ستكون ضربة مُوجعة لأمريكا حليفة ميليشيات الحماية الكردية.
  • المنطقة الآمنة ستكون الضربة القاضية لمخططات ميليشيات الحماية الكردية، الراغبة في إقامة منطقة حكم ذاتي، أو دولة كرديّة مسلوخة عن سورية ومعادية لتركيا.
  1. موقف أمريكا:

تراوغ أمريكا وتلعب لعبة الشد والرخي، وأُفسّر ذلك بأنّها لا تريد المواجهة مع تركية، ولا تريد أن تخسرها كحليف قوي، ولكن بنفس الوقت لا تريد أن تعلو كلمة تركية فوق كلمتها كدولة عظمى، وأيضاً لا تريد خسارة ذلك “القاتل المأجور” ميليشيات الحماية الكرديّة، فدعم أمريكا لــ “قسد” يكمن في استخدمها كورقة ضغط، فالميلشيات الكرديّة أداة تُسلّطها أمريكا على خصومها متى تشاء ودون أن تلوّث يديها، وهذه سياسة أمريكا القديمة لم تتغير. إضافة إلى أن المنطقة الآمنة ستُفشل خطّة أمريكا في تقسيم سورية. ولا أظن أن أمريكا سيمكنها فعل شيء لإيقاف العملية التركية شرق الفرات، وسيقتصر عملها على رفع صوتها قليلاً في بداية العمليّة ثمّ سيخمد تدريجياً، وستدعو لعقد مجلس الأمن لإدانة تركيا، وبعد ذلك ستأمر حليفها PKK/PYD بالانسحاب إلى شرقي سوريا استجابة للإرادة التركية.

وفي هذا الوقت أتوقع نشاطا لـ”داعش” في المنطقة بشكل ملحوظ، فهذا التنظيم لا يظهر إلا في الأماكن التي تظهر فيها كلمة الحق والعدالة، كذا عندما تخسر فيها القوى المدعومة من الدول الاستعمارية، وما نشاط وفتور داعش إلا بتحكم من أمريكا والاستخبارات العالمية.

  1. موقف الشعب السوري أو الثورة السورية:

لا شكّ أن كلّ سوري يطمح العيش وأهله في مكان آمن يستقر به بعيداً عن القتل والقصف والظلم فقد تعب من التشرّد والهروب خلال تسع سنوات، فشعبنا في الداخل يحلم بالأمان كما يحلم بالنصر، وكثير من الثوار والمجاهدين يرغبون في تأمين أهليهم وعوائلهم ليتفرغوا في الجهاد والمقاومة والنزال، فمعركة شعبنا باقية ما بقي النظام المجرم وأجهزته الفاسدة.

وشعبنا يظنّ بتركيا الظنّ الحسن في أنّها لن تخذله في دعمه، ولن تساوم عليه وعلى ثورته، ويؤيد حقّ تركيا في حماية أرضها وحدودها، أمّا شعبنا المهجّر فالكثير ينتظر العودة لوطنه عند إنشاء المنطقة الآمنة، فهجرته لم تكن سياحة أو نزهة بل خرج مُرغماً فَرّ ليحفظ دينه وأهله وعرضه ونفسه.

  1. موقف روسيا:

من خلال الاتفاقيات التي عقدتها تركيا مع روسيا بخصوص سورية فلا شكّ أنّ هناك تفاهمات روسيّة تركيّة حول نيّة الأخيرة في العمليّة، والحقيقة أنّ روسيا ترغب في إبعاد تركيا عن إدلب لتستغّل الفرصة في تقدمها هناك، وضمّ إدلب إلى المناطق المحتلّة، فالقوات التركيّة تُشكّل عائقاً لها في إدلب. وكذلك لن تُمانع روسيا من أي عمل يضرّ بأمريكا ومصالحها، ومن زاوية أخرى فمن مصلحة روسيا أن تكون هناك منطقة آمنة، لا من نظرة إنسانيّة بل تمهيداً لتقسيم البلد، فأظنّها ستتنازل عن المنطقة الآمنة إرضاء للمعارضة السورية المحمية من تركيا، وبعد ذلك ستتفاوض مع تركيا في نزع سلاح الثوار السوريين والضغط عليهم، ثمّ ستعلن انتهاء الحرب في سورية بعد تقسيمها وإنهاء الثورة.

  1. موقف إسرائيل:

إنّ من مصلحة إسرائيل بقاء المنطقة مُشتعلة، فمن سياستها توتير الأطراف وصبّ الزيت على النار، والذي يهمها بقاء حدودها آمنة، وأظنها ستقف في وجه العملية العسكرية التركية، وستُصعّد موقفها سياسياً وإعلامياً وحقوقياً، فعداوتها لتركية ستجعلها تقف في وجه مخططها في المنطقة العازلة، وستساند الميليشيات الكرديّة سياسياً.

  1. موقف إيران:

لن تعارض إيرانُ تركيا في العمليّة، فموقف تركيا من مسألة المفاعل الإيراني النووي لمصلحة إيران، ما يجعلها تغضّ الطرف عن إجراءات تركيا في سورية، وهناك العديد من التفاهمات والمعاهدات بين البلدين، فطالما أن مصالح إيران ومخططاتها في سورية قائمة على قدم وساق فلا مشكلة في أيّ أمر دون ذلك.

  1. موقف النظام السوري:

إنّ موقف النظام السوري دنيء لأبعد الحدود، فهو لا يهتم لأمر بلده ولا إلى شعبه طالما أنّه جالس على كرسيه، وأظنّه سيستغلّ العمليّة التركية لصالحه، فتركيا ستضرب PKK/PYD الذي يدّعي عداوته للنظام، وهو سيتمدد في إدلب مع روسيا مُستغلاً انشغال تركيا في عمليّتها العسكرية، والنظام السوري سيجد في العملية فرصة لضرب الثورة بأيّ طريقة كانت، ولا أستبعد استخدامه الأسلحة الكيماوية، وسيغذي الإرهابيين في زعزعة الأمن في شرق الفرات عبر السيارات المفخخة والتفجيرات والاغتيالات، وبالمجمل فموقف النظام هو موقف روسيا وإيران فلا قرار له بوجود أسياده.

  1. موقف PKK/PYD الإرهابي:

أصبح هذا التنظيم كالكرة بين أقدام اللاعبين، فهو ضحيّة حماقته وعناده وخيانته، فمن جهة أنّه لا يقوى على حرب تركيا، ولا يستقلّ عن القرار الأمريكي من جهة أخرى، ودعمه من أمريكا سيتدهور في حال وجدتْ أمريكا أنّ من مصلحتها ترك حمايته، فبتلك الحال سيبقى وحيدا بعد أن يخسر قوته ومكانه واسمه وأحلامه بل ووجوده أيضاً بسبب تبعيته لمن يلعب به.

وهكذا نجد إنّ من حقّ تركيا والشعب السوري القيام بالعمليّة العسكريّة شرق الفرات، لتطهيرها من التنظيمات الإرهابيّة التي ساهمتْ في ضرب الثورة السورية، وزرعت الإرهاب والخوف في تلك المنطقة، وزعزعت الأمن في الداخل التركي، وتمهيدا لإنشاء المنطقة العازلة شمال سورية، التي ستخفف أعداد ضحايا القصف الروسي والإيراني والسوري الإجرامي إلى حدّ ما، وتساعد اللاجئين أن يأمنوا في تلك المنطقة، وتشجع عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وتحدّ من الهجرة واللجوء والتشرد، وستُلجم النظام السوري المجرم ومعه روسيا وإيران من استهداف المدنيين من الشيوخ والأطفال والنساء، فقد أصبح الأمان عملة نادرة في بلد ثار من أجل حريته وكرامته.

فراس السقال

كاتب وباحث سوري أستاذ جامعي
زر الذهاب إلى الأعلى