نفترض أن تخزين مواد خطيرة في ميناء بيروت لا يعد خطأ ولم يُعد ولن يُعد، سيما أنه كان من الممكن لإسرائيل أن تحصل على المعلومة بسهولة عبر أذرع استخباراتها، ومن ثَم ترسل طائرة درونز صغيرة وتلقي على المخازن قنبلة صغيرة بحجم (سندويشة شاورما) وتحدث كارثة لمدينة بحجم بيروت.
ممكن أن لا يعتبر هذا خطيئة ارتكبتها الإدارة اللبنانية، وإذا ما أخذنا بالإعتبار مخزون القمح الاستراتيجي في مخازن الميناء والتي بطبعها تأثرت ويمكن أن تضع الحالة التموينية أمام كارثة أخرى للبنان بالكامل، وبنفس التصور يمكن غض البصر كون الإنفجار أخرج أربع مستشفيات عن الخدمة، الأمر الذي فاقم الوضع في ظل وجود عدد ضخم من الجرحى، ناهيك عن حجم الخسائر المادية التقريبي الذي بات يحصى بالمليارات.
السؤال الذي ممكن أن يعتبر سطحي وغير ملائم لهذه الظروف هو: لماذا في الساعات الأولى أول من قدر الموقف هي الإدارة التركية وركزت على أهم احتياجات المدينة وهي المساعدات الطبية العاجلة، بما يشمل المستشفيات الميدانية والطواقم الطبية و شحنات القمح بمئات الأطنان التي ممكن أن تخفف من حجم معاناة المدينة وأهلها المنكوبين، وتباعاً التحقت بالمبادرة التركية مبادرة قطرية جادة وحقيقية؟.
في الوقت الذي تعتبر لبنان هي فضاء جيوسياسي إيراني حسب إملاءات (محور المقامومة)، أليس من الأولى أن تهرع إيران قبل تركيا؟ تركيا تلك التي تعتبر بشكل أو بآخر متدخلة في الشؤون العربية ؟ هل هو صراع على مركزية الشرق الأوسط بين تركيا صاحبة المشروع النهضوي وبين إيران صاحبة المشروع الطائفي؟ هل باتت تختلف أدوات المركزية وأدوارها بين إيران وتركيا؟طبعاً حسب إملاءات مشروعيهما.
ومن جهة أخرى، إن صح ما يقال إن حملة تلميع لإيران وأذرعها تدور هذه الأيام كونها باتت ضرورة ملحة لإنقاذ سمعة محور المقاومة والممانعة المفضوحة في سوريا والعراق وباتت دمويتها تزكم الأنوف والآفاق، فقد يكون مقتل ثلاثة قادة لحزب الله في تفجير الميناء حدث متناغم مع حملة التلميع، إن صح خبر مقتلهم.
ومن جهة ثالثة، في خضم التلويح الذي مارسه حزب الله بقصف الموانئ بطريقة مماثلة وسيناريو مشابه، وخوف إسرائيل من مقاومة حماس أن تنفذ مثل هكذا سيناريو في موانئ قريبة من مياه غزة (أشدود) مثلاً، هل يعد سبقاً لإسرائيل بتنفيذ هذا السيناريو الكارثي؟.
ونفترض فرضاً أن الأمر على ما ذُكر، هل المتضرر الأول هو حزب الله أم عموم الشعب اللبناني وممتلكاته وبنيته التحتية؟ فلطالما عاقبت إسرائيل اللبنانيين بقصف بنيتهم التحتية، ولطالما استثمر حزب الله هذا العقاب وبرره تحت مسمى مقاومة وممانعة.
بحال أو بآخر المقروء اليوم أن الكارثة لن تتركها الإدارة التركية تمر دون أن تقف للمساندة بكل ما لديها من إمكانيات متاحة بغض النظر الدافع إنساني أو سياسي، وبغض النظر هل تريد تركيا مساعدة اللبنانيين أو تريد مزامحمة الإيرانيين.
وبناء عليه يمكن التساؤل هل التصور الذي نحن بصدده اليوم والمستقبل المقبلين عليه، هل تكون إحدى سماته ظهور ملامح مركزية إقليمية وظهور دور مركزي لقطب ومحور، تملأ فراغ التشرذم وتحقق ضرورة سياسية قصوى باتت ملحة؟.
