تركيا.. قوة محورية يعاد تشكيل التوازنات وفق إرادتها (مقال)

ليست قمة حلف شمال الأطلسي التي تحتضنها أنقرة خلال يومي 7،8 يوليو/تموز الجاري، مجرد محطة بروتوكولية تُضاف إلى روزنامة الاجتماعات الدولية المتكررة، وإنما هي إعلانٌ سياسي بامتياز عن تحوّل جوهري في موقع تركيا: من دولة عضو تنتظم في صفوف المنظومة الغربية، إلى دولة باتت المنظومة نفسها تعيد رسم مواقعها وحساباتها حولها، بشهادة بعض الزعماء الأوروبيين أنفسهم.

فحين تشخص أنظار العالم صوب أنقرة، وحين تتحول العاصمة التركية إلى منصة تُرسم منها ملامح الأمن الدولي، فإن في ذلك دلالة بيّنة على أن تركيا لم تعد رقماً هامشياً في معادلات يصوغها آخرون، بل غدت رقماً صعباً لا تُكتب المعادلة من دونه.

لم يكن هذا التحول ثمرة صدفة عابرة ولا نتاج ظرف طارئ، وإنما حصاد مشروع استراتيجي طويل النفس، قاده الرئيس رجب طيب أردوغان بثبات، فانتقلت به بلاده من دولة منشغلة بترميم شروخها الداخلية إلى دولة تبادر إلى الفعل في الأزمات الإقليمية والدولية وتصنع فيها الحدث. وإذا كانت المحاولة الانقلابية الفاشلة في تموز 2016 قد استهدفت كسر الإرادة التركية وإعادة البلاد إلى عصر الوصاية، فقد جاءت نتائجها معاكسة تماماً لما أُريد لها؛ إذ خرجت تركيا من محنتها أكثر تماسكاً، وأعمق ثقة بنفسها، وأشد استقلالاً في قرارها الوطني، بعدما التفّ الشعب التركي حول مؤسساته الشرعية، مؤكداً أن إرادة الأمة أصلب من الدبابات وأمنع من كل مؤامرة.

ومنذ تلك اللحظة الفارقة، تسارعت خطى النهوض التركي على أكثر من صعيد، وفي طليعتها الصناعات الدفاعية التي انتقلت من حلم طموح إلى قصة نجاح يُشار إليها عالمياً. فبعدما كانت أنقرة تعتمد اعتماداً كبيراً على الخارج لسدّ احتياجاتها العسكرية، غدت اليوم من كبريات الدول المُنتِجة والمُصدِّرة للتقنيات الدفاعية، من الطائرات المسيّرة إلى السفن الحربية، ومن الصواريخ الذكية إلى منظومات الحرب الإلكترونية، حتى باتت هذه الصناعة أحد أوتاد السيادة التركية وأبرز روافع نفوذها السياسي في آنٍ معاً.

ولعل ما تشهده العلاقات التركية الأمريكية اليوم، من حديثٍ متجدد عن عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات “إف-35”، ومن تلويح بإمكان رفع عقوبات “كاتسا”، ليس سوى اعتراف عملي بأن تجاهل تركيا لم يعد خياراً متاحاً، وأن الأمن الغربي نفسه عاجز عن الاستغناء عن دولة تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، وقاعدة صناعية دفاعية متعاظمة، وموقعاً جيوسياسياً لا بديل له. وقد جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على هامش القمة الـ 36 لرؤساء دول وحكومات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة، حين تحدث عن دراسة إعادة تركيا إلى برنامج “إف-35” ملوّحًا برفع العقوبات، لتكون تعبيراً صريحاً عن هذا الإدراك الجديد لمكانة أنقرة في الحسابات الأمريكية.

بيد أن القوة التركية لم تُشيَّد على السلاح وحده، بل على مقدرة نادرة في الجمع بين أدوات السياسة وأدوات الدبلوماسية توظيفاً متكاملاً. فمن جنوب القوقاز، حيث أسهم الدعم التركي في إعادة رسم موازين القوى خلال حرب ناغورنو قره باغ الثانية، إلى ليبيا حيث حالت أنقرة دون سقوط العاصمة وتفكك الدولة، مروراً بوقوفها إلى جانب قطر إبان الحصار في أسوأ أزمة كادت تعصف بالخليج برمته، ووصولاً إلى جهودها المتصلة في السودان، ثم دورها المفصلي في سوريا الذي يمثل اليوم ذروة الحضور التركي في السياسة الخارجية، ظلت أنقرة تثبت أنها لا تكتفي بمراقبة الأحداث من بعيد، بل تشارك في صناعتها وتوجيه مساراتها.

وفي الحرب الروسية الأوكرانية، قدّمت تركيا نموذجاً نادراً لدولة تجمع بين عضويتها في الناتو وحفاظها على قنوات الحوار مفتوحة مع موسكو، فاحتضنت المفاوضات، وأسهمت في اتفاق الحبوب، وأبقت خطوط التواصل سالكة في واحدة من أعقد أزمات العالم المعاصر، مؤكدة أن الدبلوماسية الفاعلة ليست حياداً سلبياً يقف على الرصيف، بل قدرة حقيقية على التأثير في مجريات الأحداث وتوجيه دفّتها.

أما في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية وحرب الإبادة الجماعية في غزة، فقد برز الموقف التركي بوصفه أحد أكثر المواقف الدولية صلابة وثباتاً، إذ سخّرت أنقرة ثقلها السياسي والدبلوماسي والقانوني دفاعاً عن الشعب الفلسطيني، كما رفضت تركيا سياسات الاحتلال والتوسع رفضاً قاطعاً، مؤكدة أن أمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى على الهيمنة أو الإبادة أو فرض الأمر الواقع بالقوة، وإنما على العدالة واحترام القانون الدولي.

وفي هذا السياق، يكتسب التقارب التركي مع القوى الإقليمية الكبرى، وفي مقدمتها مصر والسعودية وباكستان، أهمية استراتيجية بالغة؛ إذ يعكس اتجاهاً حثيثاً نحو بناء شبكة من التفاهمات الإقليمية القادرة على صون الاستقرار، ومواجهة مشاريع الفوضى، وصياغة توازنات جديدة تنبثق من مصالح شعوب المنطقة، لا من إملاءات القوى الخارجية.

إن استضافة أنقرة لقمة الناتو ليست مجرد نجاح تنظيمي يُحسب لها، بل هي شهادة دولية على المكانة التي بلغتها تركيا، ورسالة مفادها أن القرن الحادي والعشرين يشهد صعود قوة إقليمية ودولية تمتلك إرادة مستقلة، واقتصاداً متيناً، وصناعة دفاعية متقدمة، ودبلوماسية نشطة، ورؤية حضارية تجمع بين أصالة الجذور وطموح الآفاق.

لقد تجاوزت تركيا مرحلة البحث عن موطئ قدم لها في النظام الدولي، وأصبحت اليوم شريكاً فاعلاً في إعادة تشكيله. وما كان يُنظر إليه قبل سنوات باعتباره طموحاً تركياً بعيد المنال، غدا اليوم حقيقة يُقرّ بها الخصوم قبل الحلفاء. وهكذا تمضي الجمهورية التركية، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، نحو ترسيخ مكانتها بوصفها قوة إقليمية نافذة، وفاعلاً دولياً لا يمكن تجاوز دوره في هندسة مستقبل الشرق الأوسط، ولا في صياغة معادلات الأمن والاستقرار على امتداد الجغرافيا الأوراسية والمتوسطية.

Exit mobile version