
بعد مرور أيامٍ على المستجدات الأخيرة في تونس، ما زال المشهد ضبابياً إلى حدٍ ما، تزامناً مع مُضيّ الرئيس التونسي قيس سعيد بالإجراءات التي يقول إنها “تهدف لمحاسبة الفاسدين”، بما في ذلك من يتهمهم بـ”تلقّي تمويل خارجي لدعم حملاتهم الانتخابية ومن بينهم حركة النهضة”.
فالرئيس قيس سعيّد كان باغت مواطنيه باتخاذ قراراتٍ قاسية مساء 25 تموز/يوليو، حيث يقول إنه استند بذلك إلى “الفصل 80 من الدستور الذي يجيز لرئيس الدولة التصرّف في حال وجود خطر محيق بالدولة”.
قرارات سعيّد الأوّلية قضت بتجميد اختصاصات البرلمان ورفع الحصانة عن جميع النواب، وإعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي من مهامّه، على أن يتولى هو بنفسه السلطة التنفيذية بمعاونة حكومة يعيّن رئيسها.
وفي أعقاب ذلك تبعتها مجموعة قرارات وتوضيحات متتالية مثل منع التجمّعات لأكثر من 3 أشخاص، وحظر التجوّل الليلي، على أن يستمرّ الوضع على هذه الحال مدة شهر.
وإزاء ما يحدث، برزت تساؤلات عدة تسعى لاستنباط خلفية التطورات ومراميها، ومَن وراءها ولصالح مَن.. وما هو الدور الإماراتي في الانقلابات التموزية؟ وهل ما يجري دستوريٌّ حقاً أم انقلابٌ على الشرعية؟
في معرض الإجابة على تساؤلاتنا، قال المحلل السياسي الدكتور إدريس الربّوح من الجزائر، إن “الرئيس التونسي تعسّف في قراءة الفصل 80 من الدستور وتعدّى على صلاحيات المؤسستين التشريعية والقضائية وأصدر جملة من القرارات جعلت منه السلطة الوحيدة في البلاد، في تعدٍّ صريح على بقية السلطة”.
وتابع الربوح في حديث مع “وكالة أنباء تركيا” إن “هذا انقلابٌ صريحٌ بمساحيقَ دستورية سرعان ما سقطت لما تمسّك مجلس نواب الشعب بصلاحياته مؤيَّدًا بأكبر الأحزاب المشكّلة له، وكذلك ردّ المجلس الأعلى للقضاء الذي رفض التنازل عن صلاحياته في الإشراف على قضاة النيابة العامة التي أراد الرئيس الانقضاض عليها”.
وحول دور الإمارات في ما يجري على الساحة التونسية، علّق الربّوح بالقول إن “الإمارات لاعب رئيسي في معسكر ضرب التجربة الديمقراطية التونسية وتستخدم جميع الوسائل لإجهاضها تمهيداً للدفع بالبلاد إلى المزيد من التردّي الذي فاقمته الأزمتان الاقتصادية والصحية فضلاً عن الأزمة السياسية، وكل هذا من أجل ضرب الحريات والواحات الديمقراطية في الصحراء العربية وتمهيداً لاستقبال عضوٍ جديدٍ في نادي التطبيع مع الصهاينة”.
وحول التوقعات لمستقبل تونس في ضوء هذه الأحداث، أوضح الربّوح أن “تونس بلدٌ عريق بالممارسة الدستورية وليس فيه قوةٌ مركزية في نظامه السياسي”.
وتابع قائلاً إن “الديمقراطية التونسية تملك مناعةً محترمة رغم الظروف الاقتصادية والتدخلات الخارجية البائسة التي ستُضحي بالرئيس الحاليّ وتتركه وحيدًا”.
من جانبه، رأى الأستاذ منصف الفرشيشي من مكتب العلاقات الخارجية في حركة النهضة، أنه “في غياب المحكمة الدستورية باعتبارها الجهة الوحيدة للفصل في النزاعات الدستورية، نجد أنفسنا أمام السيد قيس سعيّد يُؤَوّل الدستور، ويركب فصوله نحو الفهم الشخصيّ، والمصلحي، وتحقيقًا لرؤيته في إدارة الدولة، مؤمنًا بالتجربة القذّافية، ومعتمدًا على الفلسفة الشعبوية”.
وأكد الفرشيشي لـ”وكالة أنباء تركيا” أن “ما وقع يوم 25 تموز/يوليو 2021 هو بمثابة الانقلاب الناعم.. بل هو انقلاب”، مضيفاً أن “الإمارات راعية الردة على كل ديمقراطية في العالم العربي، فعلتها في مصر، واليمن، والسودان، وسوريا، ولبنان والصومال.. وجنّدت كل إمكاناتها في تونس، وعبير موسي مثلا.. وبعض الجمعيات المعادية للإسلام السياسي”.
ووصف الفرشيشي الإمارات أنها “ولاية صهيونية وأجندتها تفعيل التطبيع العربي والإسلامي، للسيطرة على هذا الجسم الذي بقي وفيًّا لفلسطين”.
وشدد الفرشيشي أن “هناك وثائق تدحض ادعاءات تتهم حركة النهضة بتلقّي تمويل ودعم خارجي إلكتروني ومادي أثناء الانتخابات الرئاسية لعام 2019″، مؤكداً أن “حركة النهضة كانت الوحيدة التي قدمت تقاريرها المالية المتعلقة بالانتخابات في آجالها القانونية”.
وأعرب عن “استعداد الحركة لتقديم كل الوثائق الضرورية للقضاء المتعهد، مع المطالبة بتحقيق شفاف لكشف الجرائم الانتخابية لأي حزب”.
وأردف “في تقديري، لا ولن نكون أمام نسخة سيسية تونسية، هي جولة غامضة، لأن المعادلة صعبة، والوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي هشّ.. الكل على رمالٍ متحرّكة كما هو الوضع الإقليمي خاصة الجزائر وليبيا، مع تجربة التوافق في تونس، وأي إرباكٍ يُربِكهم”.
وتابع “أما على الصعيد الدولي فالكل رافضٌ للبُعد الكلياني في تفسير المادة ثمانين من الدستور، ولا يمكن الالتفاف على مكتسبات الثورة والانتقال الديمقراطي، لأن قيس ورّط نفسه وعمّر قفزةً في الهواء”.
وحول دور القوى الأمنية والجيش، قال الفرشيشي إن “المؤسسة العسكرية مهمّتها حماية الوطن، وتدخّلها الآن لحماية المنشآت العامة، فحين تتجوّل في تونس لا وجود للعسكر في الشارع”.
ولدى سؤاله عن التوقعات حول إلى أين تتجه الأمور قال إنها “تتوجّه إلى حوار سياسيّ بين قيس سعيّد والغنوشي، إن اتّفقا حُلّت المشاكل، وذلك من خلال خريطة طريق لم تتّضح معالمها”، وأضاف أن “هناك ضغوطات دولية خاصةً أمريكية وأوروبية وليبية وجزائرية لحلحلة الخلافات”.
وختم “الأيام القادمة نحن أمام خيارين إما شراكة حقيقية سقفها دستور 2014 هو الخيار الأرجح، أو صراع داخلي لا تُحمد عُقباه، لأن الإسلام السياسي في تونس يمثل المعادلة الصعبة، وواهمٌ مَن يظنّ أن تونس هي مصر”.
وكانت جهاتٌ عدة قد أشارت صراحة إلى ضلوع الإمارات في التحريض على الانقلاب ضد الشرعية في تونس، ومن أوائل التسريبات حول هذه القضية تغريدة نشرها حساب (مجتهد) الذي يعتبر حساباً استخباراتياً وقد ثبتت صحة تسريباته مع الوقت.
وقالت التغريدة إن “ما يجري في تونس هو انقلابٌ يقوده الرئيس قيس سعيد لإزاحة النهضة بالكامل على طريقة انقلاب السيسي لإبعاد الإخوان. الانقلاب تم بالتعاون مع السيسي وابن زايد وابن سلمان وفرنسا. المظاهرات التي خرجت في تونس تحت مسمّى (25 أكتوبر) كانت تمثيلية تشبه مظتهرات 30 يونيو في مصر”.
اقرأ أيضا.. الغنوشي: وسائل إعلام إماراتية تقف وراء الدفع نحو الانقلاب







