
الصناعات الدفاعية التركية.. قوة حقيقية أم فقاعة إعلامية؟ (تقرير)
هكذا أصبحت تركيا بلداً منافساً بصناعة الأسلحة المتطورة
تتابع السلطات التركية دعمها برامج الصناعات الدفاعية على أعلى المستويات، بحيث أصبحت أخبار التطوّر في هذا المجال فاكهةً يومية تتزيّن بها أخبار البلد.
وبعد أن كانت تركيا بلداً مستورداً للأسلحة ومختلف الصناعات الدفاعية، باتت اليوم بلداً منتجاً ومنافساً أيضاً في سوق التصدير الدوليّ، إذ باتت تركيا هي المورد الأفضل للعديد من الصناعات الدفاعية من حيث الجودة والأسعار والتطوّر بالمقارنة مع الدول التقليدية في هذا القطاع.
هذا التحوّل الاستراتيجيّ والمصيريّ في حياة تركيا الحديثة، جعلنا نبحث عن تفاصيل قد لا تأتي بها الأخبار الاعتيادية، فهل هناك قطبةٌ مخفية في ملف صناعة التسلّح التركية؟ وهل الصناعات الدفاعية التركية جديرة بالحفاوة التي تنالها؟ أم أنها فقاعةٌ إعلامية؟!
في حديث مع “وكالة أنباء تركيا”، قال الدكتور أحمد الهوّاس، رئيس تحرير موقع “رسالة بوست” إن “الحديث عن التسلّح التركي حالياً يدخل في منحيَين:
المنحى الأول: التقنية العسكرية الفائقة التي حققها الأتراك.
المنحى الثاني: أن تركيا استطاعت خلال سنوات قليلة أن تخرج من كونها الدولة التي تحتاج الآخرين في تسليحها، إلى دولة تكاد تكون مكتفية ومن ثمّ مُصدّرة. ما يعني أن الأتراك الآن يصدّرون مختلف أنواع الأسلحة إلى نحو 100 دولة في العالم”.
وأضاف الهوّاس “حين نتحدث عن الثقانة الفائقة، نحن أمام حقيقة قالها الرئيس رجب طيب أردوغان منذ أيام حين وقّع على طائرة أكنجي، بأن تركيا تعدّ الآن القوة الثالثة في العالم التي تمتلك هذا السلاح”.
وعبّر عن اعتقاده أن “تركيا أكثر من أكنجي، وربما لديها ما يؤهّلها لتكون رقم واحد أو أن تكون الرقم التالي بعد أمريكا مباشرةً، ولكن طبيعة الدول هكذا ربما لا تفصح عن أسلحتها، لا سيّما الأسلحة ذات القدرات الاستراتيجية والهجومية الفائقة، كما فعلت تركيا في مجال الطيران المسيّر”.
وتابع الهوّاس “نحن نعلم أن تركيا كانت تحتاج قبل ذلك أن تستأجر الطائرات المسيّرة لكي تلاحق عناصر تنظيم PKK الإرهابي، ولكن تبيّن أن أميركا حين تؤجّر لها هذه الطائرات، أو إسرائيل، فإنها تتدخّل إلى حدٍّ كبير في عمل الطائرة، وبالتالي لا يمكن للأتراك أن يحققوا ما يصبون إليه”.
وأردف “هذه النجاحات التي حققتها تركيا لم تأتِ من فراغ، لا شك بأن هنالك خطة بعيدة الأمد وضعها الأتراك وعملوا عليها ونجحوا في ذلك. على سبيل المثال الطيران المسيّر الذي تستخدمه في ضرب PKK في جبال قنديل”.
وتحدث الهوّاس عن “الدفاع الجوّي لا سيّما بعد إسقاط الطائرة التركية من قبل النظام السوري في عام 2012 بداية الثورة السورية، حيث كان الأتراك يملكون طائرات الباتريوت كجزء من حلف شمال الأطلسي، لكن أميركا قامت بسحبها حتى تُضعف الدفاع الجوّي التركي”.
وذكّر أن “الأتراك كانوا أسقطوا طائرة سوخوي روسية حين دخلت المجال الجوي التركي، في حين كان الروس يبنون خططهم على مبدأ أن الأتراك غير قادرين على مواجهة أيّ نزاعٍ مع روسيا على سبيل المثال”.
ولفت إلى أن “الأتراك شغلوا العالم بصفقة S-400 مع روسيا، وهي ليست صفقة ناجحة بالضرورة، إنما هي رسائل للغرب أننا قادرون على أن نأتي بأنواع من الدفاع الجوّي تحقق أمننا، ولكن في الوقت نفسه نساهم في صناعة S-400 أو نقوم بتطويرها أو أننا سنقدّم بدائل عنها ضمن مخطط التسليح التركي”.
وأضاف “حين نتحدث عن أسلحة حديثة في تركيا، نتحدث عن صواريخ موجّهة فائقة الدقّة، نتحدّث عن طائرات بلا طيّار هي الأحدث في العالم أو تكاد تكون تركيا من أهم 4 دول في العالم في إنتاجها، نتحدّث الآن عن مروحية الهجوم التركية – تاك، التي قامت أميركا بعرضٍ عسكريّ عليها على أنها سلاحٌ أمريكي وهي في الواقع سلاحٌ تركي”.
وتابع الهوّاس “هناك الأسلحة الفردية الحديثة، والأسلحة المسيّرة الكثيرة، وليس فقط في الجو كالطائرات، إنما على الأرض، كالمدرّعات والدبّابات وأيضاً طائرات صغيرة مخصّصة لاغتيال الأفراد”.
وأكد قائلا “نحن أمام ثورة صناعية عسكرية هائلة إضافة إلى أننا ننتظر الآن أن تنهي تركيا في العام 2023 وربما قبل ذلك كما هو متوقّع، حاملة الطائرات التركية التي هي من إنتاج الأتراك كاملةً”.
وأشار إلى أن “التقارير تقول بأن تركيا الآن تصل بإنتاجها العسكري إلى الاكتفاء الذاتي من حيث السلاح بنحو 70%. وبيّن أن الخطة القادمة لتركيا هي أن تصل إلى نسبة اكتفاء 100%، وأن تتحوّل إلى دولة مصدّرة وهي الآن دولة مصدّرة ومتقدّمة في العالم”.
وذكّر الهوّاس “رأينا كيف افتخر الأوكرانيون بعرض طائرة بيرقدار التي حققت نتائج مذهلة في ناغورني كاراباخ وليبيا وسوريا، وأن بيرقدار باتت الآن بالنسبة للأتراك من الماضي أمام ما يصنعون من طائرات أحدث”.
وأضاف “نحن أمام حقيقة بأن الأتراك متقدّمون في مجال الصناعة العسكرية، هنالك صناعات بالقطع لم يكشفوا عنها، لا نعلم ما هي الخطط العسكرية التركية في مجال الإنتاج القادم، لكن غالبيّة هذه الصناعات ومؤشرات كثيرة تبشّر بأن ثمّة صناعةً عسكرية متقدمة في تركيا، وأظنّ بأن تركيا ستكون من بين أهم 3 دول في الصناعات العسكرية، يعد الولايات المتحدة الأميركية والصين”.
واستبعدَ الهوّاس أن “تكون روسيا منافسة لتركيا في المرحلة القادمة، لأن السلاح الروسي الآن لا يحمل التقانة التي يتمتع بها السلاح الغربيّ والسلاح التركي”.
من جانبه، تحدث الباحث والمحلل السياسيّ كاظم ياور لـ”وكالة أنباء تركيا” قائلا “للإجابة وتحليل وإعطاء حقيقة هذا الموضوع، لا بدّ من دراسة معايير معينة في هذا الشأن والمقارنة مع ما كانت عليه الصناعات التركية عام 2010”.
وأضاف ياور “إذا أخذنا السنوات العشرة السابقة وقارنّا بينها وبين مثيلاتها في العامين 2020-2021، سوف نجد أن هناك تطوّراً وتغيّراً كبيراً جداً وفارقاً.. وقد شهد بهذا الفارق والتطوّر مراكز بحثية عسكرية وغير عسكرية”.
وأضاف “ازداد عدد المصانع الكبرى الدفاعية في تركيا من مصنعٍ واحد في 2010 إلى أكثر من 7 مصانع في 2020، وشهدت تركيا صناعة معدّات دفاعية متنوعة كثيرة، وأصبح لديها سوقٌ بهذا الشأن وطلبات من دول عديدة، ودخلت في ميدان العمل وأثمرت نجاحات كثيرة”.
وفي هذا الصدد، أضاف ياور “الأسلحة أو الطائرات المسيّرة كان لها وقعٌ كبير في عمليات عسكرية شمالي العراق وليبيا والحرب بين أذربيجان وأرمينيا في قره باغ، وما حققه السلاح الجوّي التركي في معاونة أذربيجان، حيث كان له تأثيرٌ أو امتيازٌ مباشر لحسم المعركة لصالح أذربيجان”.
وقال ياور “رأينا أن تركيا بتطويرها وإنتاجها أسلحة دفاعية جديدة، قد دخلت إلى ميدان العمل بعد أن حسمت الكثير من المعارك والحروب في سوريا والعراق وقنديل وفي محافظات مجاورة لتركيا عند الحدود العراقية التركية، فهناك تقدّم كبير في هذه الأسلحة في مجال الهجوم والتحييد والدفاع”.
وتابع “نحن كعراقيين لدينا مشاكل تشبه في كثير من الحيثيّات ما تعاني منه الجارة والشقيقة تركيا في حربها ضد المنظمات الإرهابية كداعش وPKK الإرهابيين ومجموعات إرهابية داخل سوريا بمسمّيات عديدة”.
وأوضح “وفي العراق نحن نحارب داعش، وكذلك نعمل على عدم السماح لـ PKK الإرهابي أن يكون على الحدود العراقية التركية. فالحكومة العراقية بحاجة ماسّة لهذه الأسلحة وخاصةً الطائرات المسيّرة. فمن الممكن التعاقد مع مع الجارة تركيا وشراء هذه الأسلحة”.
وأضاف “طبعاً هناك امتيازات وتسهيلات كثيرة من الحكومة التركية في هذا المجال، لأن شراء العراق لطائرات من الولايات المتحدة الأميركية أو دول أوروبية أو من روسيا يواجه عقباتٍ كبيرة وكثيرة، منها سياسية ومنها اقتصادية، حيث إن كلفة شراء طائرة مماثلة من تركيا تقلّ كلفتها كثيراً عن شرائها من أميركا أو فرنسا أو روسيا”، وقال “نحن اليوم بحاجة ماسّة إلى هذه الإمكانيات وعدم تضييعها بل لا بدّ من استثمارها”.
وأردف “الجارة تركيا تقدّم عروضاً جيدة جداً، حيث الأسلحة الدفاعية لها تجارب حقيقية ميدانية داخلة في ميدان العمل، ممكن أن تستفيد منها القوة الجوية العراقية وكذلك الدفاعات العراقية بشكلٍ عام”.
وحول مدى انعكاس ذلك إيجاباً على الدول العربية والإقليمية ومصلحتها في التعاون مع تركيا في الصناعات الدفاعية، قال ياور “كذلك تستطيع الدول، كالمملكة العربية السعودية في حربها في اليمن من تعاون مع تركيا في هذا الشأن، في محاربتهم الجماعات الإرهابية كالحوثيين”، بحسب تعبيره.
ورأى أن “المملكة العربية السعودية وكذلك دول خليجية أخرى لديها مشاكل في اليمن، تستطيع محاربة الإرهاب الحوثي عن طريق سلاح الجوّ التركي وخاصةً الطائرات المسيّرة، كما استعانت ليبيا بأسلحة الدفاع التركي وتقدمت الحكومة الشرعية الليبية واستفادت كثيراً، بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار والسقوط أمام الجماعات الإرهابية كجماعة حفتر، فأوقفهم التعاون التركي عن طريق هذه الأسلحة المتطورة والفعّالة”.
وأضاف ياور “كذلك مصر تستطيع أن تستفيد من هذه الأسلحة والتجربة التركية في سيناء التي تشهد حالاتٍ من الإرهاب مماثلة لما عانت منه تركيا سابقاً، واليوم بفضل هذه الصناعات أصبح لتركيا شأنٌ آخر في المنطقة، تغلّبت على المشاكل الأمنية، واستطاعت طرد وتنظيف مساحات شاسعة من أراضيها، ولم تبقَ داخل الأراضي التركية جماعات مسلّحة بشكلٍ علنيّ، بل انتقلت إلى دول مجاورة بالعراق وسوريا”.
واعتبر أن “دول الشرق الأوسط، والدول العربية بشكل خاص تستطيع التعاون مع تركيا والاستفادة من هذه الأسلحة المتطوّرة.. فإذاً كل هذه المعايير الحقيقية والتجارب على أرض الواقع تعطي دلالة حقّة على أن هذه الصناعات الدفاعية التركية هي قوةٌ حقيقية وليست فقاعة إعلامية”.
ونبّه إلى أن “الشعب العراقيّ والحكومة العراقية بحاجةٍ ماسّة إلى هذه الدفاعات التركية، وتركيا ليس لديها بروتوكولات معيّنة يستعصي على الحكومة العراقية تنفيذها أو قبولها من أجل الحصول على هذه الأسلحة”.
وتابع “في المقابل هناك بروتوكولات معقدة للحصول على هذه الأسلحة من أميركا أو فرنسا أو روسيا، تؤخر شراءها على العراق”.
وخنم ياور بالقول إن “تركيا اليوم أصبحت قوةً حقيقية في الشرق الأوسط، بل قوة دولية، والصناعات الدولية تأتي اليوم أولى بتصنيفاتٍ عالمية، وهذه التصنيفات تعتبر أمراً حقيقياً وليست فقاعةً إعلامية كما تروّج أو تفتري بعض الجهات المغرضة التي لا تريد خيراً بالمنطقة وتركيا”.
الجدير بالذكر أن العام 2021 شهد توقيع تركيا العديد من صفقات بيع الأسلحة التكنولوجية الدفاعية للعديد من الدول في المنطقة وحول العالم، ليأتي ذلك بمثابة اعترافٍ دولي بالتفوّق التركي الصاعد في هذا القطاع، وتمكُّن أنقرة من إثبات مكانتها في الصفوف الأولى للدول التي تتنافس على تطوير أحدث جيلٍ من الصناعات الدفاعية المتطوّرة.







