بكثيرٍ من الإنجازات والتحدّيات، يحتفل حزب العدالة والتنمية التركي، اليوم الأربعاء، بعامه التاسع عشر في السلطة في تركيا، ففي مثل هذا اليوم عام 2002 فاز الحزب بأول انتخابات برلمانية يخضوها.
مسيرة الحزب لم تكن يوماً معبّدةً بالورود، بل كانت مفروشةً بكل أنواع العراقيل والصعوبات، إلا أن القيّمين على الحزب، وعلى رأسهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أبَوا منذ اللحظة الأولى التي تقلّدوا فيها زمام الحكم، أن يتركوا بلدهم غارقاً في الديون والأزمات.
المسيرة السياسية
بدأت مسيرة الإصلاحات الجدّية التي قادها حزب العدالة والتنمية التركي في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر عام 2002، عندما تمكن من تشكيل حكومة منفردا، على إثر حصوله على غالبية 34.28% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية.
في ذاك العام، كان أردوغان أن ينتظر حتى عام 2003 ليشكل أول حكوماته لأنه كان ممنوعاً من الترشح لمنصب رئيس الوزراء بسبب الحظر السياسيّ عليه، الأمر الذي تمّ تجاوزه عندما عدّلت حكومة عبد الله غول المادة 312 من قانون العقوبات التركي، ليستمرّ أردوغان في ترؤّس الحكومات التركية حتى العام 2014، ثم رئيسا للجمهورية.
تابع نجم حزب العدالة والتنمية الصعود بفعل احتضانه من الشعب التركيّ الذي لمس الفرق الشاسع في حال البلاد بين الحقبتين ما قبل وما بعد “العدالة والتنمية”، حيث ناهزت نسبة الأصوات المؤيّدة له الـ 60% في انتخابات عدة، وظلّ محافظاً على موقعه في صدارة المشهد السياسي التركي حتى يومنا هذا، برصيد رئيسين للجمهورية و4 رؤساء وزراء خلال مسيرته.
في 10 آب/أغسطس 2014 انتخب أردوغان رئيسًا للجمهورية، بعد حصوله على 52% من أصوات الناخبين، وأصبح بذلك الرئيس الـ 12 للبلاد، والأول الذي يتم انتخابه مباشرةً من قبل الشعب.
كما تمكن الحزب في 16 نيسان/أبريل 2017 من تحويل البلاد إلى النظم الرئاسيّ نتيجة استفتاء على تعديلات دستورية، لتصبح السلطة التنفيذية بيد رئيس الجمهورية، فيما تحوّل بن علي يلدريم رسمياً آخر رئيس وزراء في تركيا وفق النظام البرلمانيّ.
19 عاماً من الإنجازات
مهمة حزب العدالة والتنمية لم تقتصر على الإصلاحات وتحسين ظروف المعيشة، بل تخطّت ذلك إلى جعل تركيا بلداً يتمتع بالسيادة الكاملة على أراضيه ويفاوض الدول العظمى انطلاقاً من المصالح التركية بدل تلقّي التعليمات.
على مدار الـ 19 عامًا الماضية، حققت تركيا إنجازات ضخمة خلال فترة حكم حزب العدالة والتنمية، في مجال الاقتصاد والخدمات، والاتصالات والنقل، والبيئة والعمران، والطاقة والزراعة، والثقافة والسياحة، والصناعة الدفاعية والتكنولوجيا والشؤون الخارجية،
أبرز الإنجازات على الصعيد الاقتصادي:
ـ رفع معدل النمو الاقتصادي السنوي من أقل من 1% إلى 9%.
ـ زيادة استثمارات التركية من 70 مليار ليرة إلى 1.4 تريليون ليرة سنويًا.
ـ زيادة الصادرات من 36 مليار دولار إلى 170 مليار دولار في 2020.
ـ تحويل عجز الحساب الجاري إلى فائض في عام 2019.
ـ خلق فرص عمل لتسعة ملايين مواطن في 19 سنة.
ـ زيادة الدخل القوميّ من 238 مليار دولار إلى 960 مليار دولار.
الانتقال من المرتبة 17 إلى 11 في تعادل القوة الشرائية للدخل القومي.
ـ باتت تركيا تعدُّ من الدول التي لديها أقل نسبة بين الدول المتقدمة والنامية في الاقتراض بالقطاعين العام والخاص
أما أبرز الإنجازات على صعيد الخدمات:
ـ رفع ميزانية التعليم من 10 مليارات و300 مليون ليرة إلى 200 مليار و120 مليون ليرة.
ـ رفع عدد الفصول الدراسية من 343 ألف إلى أكثر من 600 ألف.
ـ تعيين 693 ألف مدرس جديد.
ـ زيادة عدد أعضاء هيئة التدريس من 70 ألفاً إلى 181 ألفاً تقريبًا.
ـ زيادة عدد أسرّة المستشفيات من 164 ألفاً إلى أكثر من 255 ألفاً، ومن 19 ألفا إلى 164 ألف سرير مؤهل.
ـ تشغيل 17 مدينة طبية بسعة 22 ألف و604 أسرّة.
ـ زيادة عدد مراكز الشباب من 9 إلى 376، وعدد المنشآت الرياضية من 1 ألف و575 إلى 3 آلاف و915.
ـ زيادة المِنح والقروض الطلابية الشهرية من 45 ليرة إلى 650 ليرة، وذلك للطلاب الجامعيين، ومن 90 ليرة إلى 1300 ليرة لطلاب درجة الماجستير، ومن 135 ليرة إلى 1950 ليرة للدكتوراه.
ـ تقديم مساعدات اجتماعية بقيمة 431 مليار ليرة خلال 19 عاماً، وافتتاح 360 مركزاً للخدمات الاجتماعية.
ـ زيادة توظيف أصحاب الاحتياجات الخاصة في القطاع العام من 5 آلاف و777 إلى أكثر من 60 ألفاً.
ـ رفع الحد الأدنى للأجور من 184 ليرة إلى ألفين و825 ليرة.
ـ زيادة عدد المؤمّن عليهم النشطين من 12 مليوناً إلى أكثر من 24 مليوناً.
ـ زيادة عدد القضاة والمدّعين العامّين من 9 آلاف و349 إلى 21 ألف و904.
ـ زيادة عدد المحاكم بنسبة 84% في القضاء العدلي، و38% في القضاء الإداري، وبناء 275 مبنى عدلياً.
وبالنسبة لأبرز المنجزات على صعيد النقل والاتصالات:
ـ زيادة عدد الطرق المقسّمة من 6 آلاف و101 كلم إلى 28 ألفاً و284 كلم.
ـ زيادة عدد الطرق السريعة من 1 ألف و714 كلم إلى 3 آلاف و532 كلم.
ـ زيادة عدد أنفاق الطرق السريعة من 83 إلى 447، وطولها من 50 كلم إلى 617 كلم، وزاد طول الجسور من 311 كلم إلى 710 كلم.
ـ بناء 1 ألف و213 كلم من شبكة القطارات عالية السرعة، وتجديد كامل تقريبًا لـ 11 ألفا و590 كلم من السكك الحديدية الموجودة.
ـ رفع عدد المطارات من 26 إلى 56.
ـ زيادة عدد أحواض بناء السفن من 37 إلى 84، وزادت سعة رسوّ اليخوت من 8 آلاف و500 إلى 18 ألفاً و545.
ـ زيادة عدد القادرين على الوصول إلى شبكات الإنترنت من 3 آلاف إلى 84 مليوناً، وبلغ عدد مستخدمي الحكومة الإلكترونية 56 مليوناً.
ـ تشغيل جسر عثمان غازي، جسر يافوز سلطان سليم، جسر نيسيبي، نفق أوراسيا، نفق استقلال إلغاز 15 تموز، إركينك، لايف كورتاران، سابونكوبيلي، وأنفاق أوفيت.
ـ وضع في الخدمة كلٌّ من طريق إسطنبول – بورصا – إزمير السريع، وطريق شمال مرمرة السريع، طريق مينيمن – علياجا – تشاندارلي السريع، وطريق أنقرة – نيجده السريع.
ـ ويجري استكمال طريق كينالي – تيكيرداغ تشاناكالي – سافاستيبي السريع، والذي يتضمن أيضًا جسر البوسفور جناق قلعة 1915، وبذلك ستكون قد تمّت إحاطة منطقة مرمرة بطريق سريع.
وعلى صعيد البيئة والتحضّر والطاقة والزراعة والثقافة والسياحة:
ـ ازداد عدد سكان البلديات، التي يتم تزويدها بخدماتِ معالجة مياه الصرف الصحي، من 35 إلى 90%.
ـ يجري تنفيذ 369 مشروعاً وطنياً للحدائق على مساحة 60 مليوناً و600 ألف متر مربّع في 79 ولاية.
ـ تم بناء مليون و100 ألف منزل وأُنجز تسليم 2.5 مليون منزل إلى أصحابها.
ـ تجاوز إجمالي الناتج المحليّ الزراعي 333 مليار ليرة عام 2020، في حين لم يكن يصل حتى إلى 37 مليار ليرة في السابق.
ـ خلال 19 عاماً، تم تقديم 165 مليار ليرة كدعم زراعيّ.
ـ ارتفعت أصول الغابات من 20 مليون و800 ألف هكتار، إلى 22 مليون و900 ألف هكتار.
ـ إكمال مشروعي TANAP (خط لنقل الغاز الأذري إلى أوروبا) وTurkStream (خط أنابيب الغاز الطبيعي الذي يمتد من روسيا إلى تركيا).
ـ تكليف أول وحدتين عائمتين لتخزين الغاز الطبيعي المُسال وإعادة تحويله إلى غاز في إزمير وهاتاي جنوبيّ تركيا.
ـ اكتشاف 540 مليار متر مكعب من احتياطيات الغاز الطبيعي.
ـ زيادة عدد الممتلكات والمواقع المدرجة ضمن قائمة التراث العالميّ من 9 إلى 19.
ـ زيادة عدد المراكز الثقافية من 42 إلى 120.
ـ زيادة عدد الآثار التي تم ترميمها من 46 إلى 5 آلاف و548 أثراً.
أما على صعيد الشؤون الخارجية والدفاعية والصناعة والتكنولوجيا:
ـ زيادة التمثيل التركي في العالم من 163 إلى 252، وأصبحت تركيا في المرتبة الخامسة بين الدول التي تمتلك أكبر شبكات التمثيل الدبلوماسي في العالم.
ـ زيادة مشاريع الصناعة الدفاعية في تركيا من 62 إلى 750.
ـ نموّ ميزانية مشاريع الصناعات الدفاعية من 5 مليارات و500 مليون دولار إلى 75 مليار دولار.
ـ أصبحت تركيا أحد أبرز مصنّعي ومصدّري المركبات الجوية غير المأهولة في العالم.
ـ زيادة عدد المناطق الصناعية المنظمة من 192 إلى 325.
ـ إنشاء 22 منطقة صناعية و79 منطقة تكنولوجية.
ـ تنشيط وكالة الفضاء، وتحديد برنامج الفضاء الوطنيّ الخاص بتركيا، وانضمام تركيا رسمياً إلى وكالة الملاحة الفضائية.
ـ استمرار العمل على إنتاج السيارة المحلّية لإنجازها بحلول العام 2023.
تحديات محلية ودولية
واجه حزب “العدالة والتنمية” في تركيا تحدّياتٍ جدّية هدّد بعضها موقعه على الساحة السياسية.
ففي 17 أيار/مايو 2006 تعرّض الحزب لاستهدافٍ مباشر عبر قتل عضو الدائرة الثانية للمحكمة الإدارية العليا “مصطفى يوجيل أوزبيلغين”، وإصابة 4 أعضاء بينهم رئيس الدائرة “مصطفى بيردان”، في هجوم مسلّح نفّذه المحامي “ألب أرسلان أرسلان”.
وعلى خلفية ذلك عمد أعضاء كل من المحاكم الدستورية والإدارية والمالية والقضاء العسكري إلى جانب عدد من الكادرات الحقوقية والأكاديمية، إلى زيارة ضريح مؤسس الجمهورية التركية “مصطفى كمال أتاتورك”، وقراءة بيان يُحمّل الحكومة التركية مسؤولية مقتل “أوزبيلغين”، الأمر الذي وصفته الحكومة بأنه محاولة لإسقاطها والإخلال بالاستقرار في البلاد.
وفي 16 أيار/مايو 2007 أكمل حزب العدالة والتنمية دورته الخامسة على رأس السلطة، وبدأت تركيا في ذلك الوقت استعداداتها لانتخاب رئيس الجمهورية الحادي عشر خلفًا لرئيس البلاد آنذاك، أحمد نجدت سيزار.
كان نجاح مرشّح العدالة والتنمية شبه مؤكّد وفقاً للغالبية البرلمانية التي كان يملكها وقتها، الأمر الذي دفع بعض الأطراف إلى تنظيم “تجمّعات الجمهورية” بهدف منعه من الوصول إلى سدّ’ الحكم.
أبرز المناهضين كان “حزب الشعب الجمهوري”، أكبر الأحزاب المعارضة في تركيا، الذي حاول كل ما في وسعه ليس فقط اعرقلة وصول العدالة والتنمية إلى كرسي الررئاسة، بل أيضاً تقويضه سياسياً وحظره لسنوات من مزاولة العمل السياسي ككل، انطلاقاً من اتهامه بالحدّ من علمانية الدولة، وهو الأمر الذي يشكل أهم الخطوط الحمر في الجمهورية التركية.
وفي 30 تموز/يوليو عام 2008 رفضت المحكمة الدستورية الدعوى المطالبة بإغلاق الحزب لعدم تحقيق الغالبية الساحقة التي المطلوب تحقيقها وفق الدستور التركي لإقرار ذلك.
في 15 تموز/يوليو 2016، واجه الحزب الحاكم أكبر مخطط للقضاء عليه، عبر محاولة الانقلاب الفاشلة، التي أثبتت السلطات التركية ارتباطها بجهاتٍ خارجية وبالإرهابي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنّ الشعب التركيّ يومها، مواطنين وأحزاب، وقفوا وقفة رجلٍ واحد، وقالوا “لا” لتدمير تركيا والقفز على السلطة التي وصلت عبر صناديق الاقتراع الديمقراطي.
واجه الحزب العديد من محاولات التقيد الدولية، وفرض العقوبات الاقتصادية على تركيا تحت حكمه، في محاولة لإضعافها وكسر شوكتها، لكن دور أنقرة المحوريّ في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، كملفّ اللاجئين وغاز شرق المتوسط والقضية الأفغانية والحرب في سوريا وليبيا، وغير ذلك من الملفات، جعل المجتمع الدولي غير قادر على الاستغناء عن تركيا، بل إن تركيا ارتعفت في غضون سنوات من بلدٍ تابع إلى بلدٍ مفاوض ومؤثر على الساحة الدولية.
