تدخل الصناعات الدفاعية التركية مرحلة جديدة من المنافسة العالمية، بعدما تحولت خلال السنوات الأخيرة من قطاع يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد إلى منظومة إنتاجية متكاملة تطور الطائرات غير المأهولة، والصواريخ، والذخائر، والرادارات، وأنظمة الحرب الإلكترونية والدفاع الجوي والمنصات البحرية والجوية.
ويأتي أحدث مؤشر على هذا التحول مع دخول خمس شركات تركية قائمة “Defense News Top100” لأكبر شركات الدفاع في العالم، بإجمالي إيرادات دفاعية بلغ نحو 14.9 مليار دولار خلال عام 2025.
وتعكس هذه النتائج اتساع قاعدة الصناعة التركية وتنوعها، بعدما تجاوز حضورها مجال الطائرات المسيّرة الذي ارتبط باسم تركيا على المستوى الدولي، ليشمل قطاعات أكثر تعقيداً، بينها الإلكترونيات الدفاعية، والطيران العسكري، وتقنيات الصواريخ والذخائر، والدفاع الجوي، والاتصالات العسكرية.
كما يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه سوق السلاح العالمي ارتفاعاً في الطلب، خصوصاً في أوروبا، بالتزامن مع إعادة تقييم القدرات الدفاعية والتحالفات الأمنية.
خمس شركات تركية بين أكبر 100 شركة دفاعية
أظهرت قائمة “Defense News Top 100” لعام 2026، التي تعتمد إيرادات الدفاع لعام 2025 أساساً للترتيب، وجود خمس شركات تركية بين أكبر مئة شركة دفاعية عالمياً.
وتصدرت “أسيلسان” الشركات التركية باحتلالها المرتبة الأربعين، متقدمة من المركز الثالث والأربعين في القائمة السابقة، بعدما ارتفعت إيراداتها الدفاعية بنسبة 26 بالمئة إلى نحو 4.46 مليار دولار. وبذلك أصبحت أول شركة دفاعية تركية تدخل قائمة أفضل 40 شركة عالمية.
وحلت شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية “توساش” في المرتبة الثامنة والأربعين، بإيرادات دفاعية بلغت نحو 3.65 مليار دولار، بزيادة تقارب 16 بالمئة.
وتنفذ الشركة مجموعة من المشاريع الاستراتيجية، وفي مقدمتها تطوير المقاتلة الوطنية “قاآن”، إلى جانب برامج الطيران العسكري والفضائي.
أما “أركا للدفاع”، فحققت أبرز قفزة بين الشركات التركية، بعدما دخلت القائمة للمرة الأولى واحتلت المرتبة الثالثة والخمسين، بإيرادات دفاعية بلغت نحو 3 مليارات دولار في 2025، مقارنة بنحو 653 مليون دولار في العام السابق.
ويتركز نشاط الشركة بصورة كبيرة في الذخائر والمتفجرات، وهو قطاع اكتسب أهمية متزايدة مع ارتفاع الطلب العالمي على مخزونات المدفعية والذخائر.
وجاءت “روكيتسان” في المرتبة الرابعة والستين، متقدمة من المركز الحادي والسبعين، مع إيرادات دفاعية بلغت نحو 2.37 مليار دولار، بزيادة تقارب 18 بالمئة.
وتُعد الشركة من أبرز أركان صناعة الصواريخ والقذائف التركية.
أما شركة الصناعات الميكانيكية والكيميائية “MKE” فاحتلت المرتبة الحادية والثمانين بإيرادات دفاعية بلغت نحو 1.42 مليار دولار.
وبذلك توزعت الشركات التركية الخمس على مجالات مختلفة، من الإلكترونيات والرادارات إلى الطيران والصواريخ والذخائر، وهو ما يعكس اتساع قاعدة الصناعة وليس نمو شركة أو منتج واحد فقط.
من 62 مشروعاً إلى أكثر من 1400
وراء هذه القفزة في الترتيب العالمي تحول هيكلي بدأ منذ أكثر من عقدين. ففي عام 2002 كان قطاع الصناعات الدفاعية والطيران في تركيا يضم نحو 62 مشروعاً فقط، بينما تجاوز عدد المشاريع النشطة اليوم 1400 مشروع، مع ارتفاع عدد الشركات العاملة في المنظومة إلى أكثر من 3500 شركة.
وبالتوازي، ارتفع حجم أعمال القطاع السنوي من نحو 1.1 مليار دولار في 2002 إلى أكثر من 20 مليار دولار، فيما ارتفعت نسبة التوطين من نحو 20 بالمئة إلى 82 بالمئة.
وتشير هذه الأرقام إلى أن تركيا لم تكتفِ بزيادة عدد المنتجات المصنعة محلياً، وإنما وسعت قاعدة الموردين والمهندسين وشركات التكنولوجيا المرتبطة بالصناعة الدفاعية.
كما تحولت الصادرات إلى أحد أهم محركات القطاع، فقد تجاوزت صادرات الصناعات الدفاعية والطيران التركية 7 مليارات دولار في 2024، بينما واصل القطاع نموه في 2025، مستفيداً من توسع الأسواق الخارجية وارتفاع الطلب على المنتجات التركية ذات الكلفة التنافسية. وتستهدف أنقرة زيادة صادراتها الدفاعية بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة، بما يعزز إيرادات العملات الأجنبية ويدعم استدامة الاستثمارات المحلية.
“أسيلسان” نموذج للتحول إلى شركة عالمية
تقدم “أسيلسان” المثال الأوضح على طبيعة التحول الجاري، فالشركة لا تعتمد على منتج واحد، وإنما تطور منظومات تشمل الدفاع الجوي، والرادارات، والحرب الإلكترونية، والاتصالات العسكرية، والإلكترونيات البصرية، والأنظمة البحرية، والذخائر الموجهة والمنصات غير المأهولة.
وخلال النصف الأول من 2026، وقعت «أسيلسان» عقوداً جديدة بقيمة 4.9 مليار دولار، بزيادة 72 بالمئة، فيما ارتفعت طلبياتها المتراكمة إلى 23.2 مليار دولار، بزيادة 45 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
كما سجلت الشركة نمواً قوياً في الإيرادات واستثماراتها في الطاقة الإنتاجية والبحث والتطوير.
ويأتي ذلك ضمن استراتيجية “aselsaneXt” التي تستهدف تحويل الشركة من مورد دفاعي محلي إلى مزود عالمي للأنظمة الدفاعية المتكاملة.
وقد اتسع حضورها الدولي إلى عشرات الدول، بينما تستثمر في رفع قدرتها الإنتاجية لتلبية الطلب المحلي والخارجي.
ويبرز في هذا السياق مجمع “أوغولباي” التكنولوجي، الذي يمثل أحد أكبر استثمارات الشركة، ويهدف بعد اكتماله إلى زيادة طاقتها الإنتاجية بأكثر من الضعف، وتعزيز قدرتها على الإنتاج المتسلسل للأنظمة الحيوية، ولا سيما تلك المرتبطة بمنظومة “القبة الفولاذية” للدفاع الجوي.
المنافسة مع عمالقة الصناعة
ومع ذلك، فإن صعود تركيا لا يعني أنها أصبحت بحجم عمالقة الدفاع الأميركيين والأوروبيين.
فالفارق في الإيرادات لا يزال كبيراً؛ إذ تصدرت “لوكهيد مارتن” القائمة بإيرادات دفاعية بلغت نحو 72.1 مليار دولار، تلتها “RTX” بنحو 46 مليار دولار، ثم “جنرال دايناميكس” بنحو 39.4 مليار دولار.
لكن أهمية الحضور التركي تكمن في سرعة النمو واتساع قاعدة الشركات. فوجود خمس شركات في القائمة، بإيرادات دفاعية مجمعة تقارب 14.9 مليار دولار، يعكس انتقال تركيا من مرحلة بناء القدرات المحلية إلى مرحلة المنافسة على الأسواق الدولية.
كما يخلق هذا النمو أثراً اقتصادياً يتجاوز مبيعات السلاح، عبر زيادة الطلب على المهندسين والباحثين والفنيين، وتطوير سلاسل توريد محلية، ورفع الإنفاق على البحث والتطوير.
ويقترب عدد العاملين في قطاع الصناعات الدفاعية والطيران من 100 ألف شخص، مع توقعات بارتفاع أعداد الكفاءات العاملة فيه خلال السنوات المقبلة.
وبذلك تبدو الصناعات الدفاعية التركية أمام معادلة جديدة: تقليل الاعتماد على الخارج، توسيع الإنتاج المحلي، زيادة الصادرات، وتطوير تقنيات أكثر تقدماً.
وإذا تمكنت الشركات التركية من الحفاظ على معدلات النمو الحالية وتحويل تراكم الطلبات إلى إنتاج وتسليمات وصادرات مستدامة، فإن دخول خمسة منها قائمة أكبر 100 شركة دفاعية عالمياً قد لا يكون سقف الطموح، بل محطة ضمن مسار أوسع نحو ترسيخ تركيا لاعباً رئيسياً في سوق الدفاع العالمي.
