
تتجه الأنظار في ليبيا نحو الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المزمع إجراؤها في 24 كانون الأول/ديسمبر 2021، وما قد يترتب على إجرائها من عدمه.
مؤتمر باريس لضمان إجراء الانتخابات
في محاولةٍ للضغط على الأطراف الليبية لتمرير الانتخابات والقبول بنتائجها، هدد قادة نحو 30 دولة بفرض عقوبات على الأفراد (داخل أو خارج ليبيا) الذين “سيحاولون القيام بأي عمل من شأنه أن يعرقل أو يقوّض الانتخابات”.
وشدّد القادة في البيان الختاميّ الذي أصدروه عقب اجتماعهم في المؤتمر الدوليّ في باريس حول ليبيا، الجمعة في 12 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، على “أهمية أن تكون الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأولى في تاريخ البلاد حرة ونزيهة وجامعة وتتسم بالمصداقية”.
كما أكد البيان “التزام هذه الدول بإنجاح العملية السياسية وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار”، داعيا لـ”إنشاء هيئة المصالحة الوطنية برعاية المجلس الرئاسي الليبي”.
وكانت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، قد أعلنت رسمياً خلال مؤتمر صحفي الأحد 7 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، فتح باب الترشّح للانتخابات الرئاسية والبرلمانية والبدء بعملية توزيع بطاقة الناخب.
وحسب رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات عماد السايح، فإن الانتخابات الرئاسية ستجرى على مستوى ليبيا ضمن دائرة واحدة يتنافس فيها جميع المرشحين.
هذا على الورق وفي السياسة، أما على أرض الواقع، فهل تعدّ ليبيا جاهزة لإجراء هذه الاستحقاقات؟ وهل تمتلك الأرضية الصلبة لتحمُّل أي ارتدادات غير مرغوبة قد تنتج عمّا ستؤول إليه النتائج الخارجة من صناديق الاقتراع؟ هل ستعترف كل الأطراف بالنتيجة، أم أن هناك من يبحث فقط عن نتائج ترضيه، وإلا.. إلى الاقتتال دُر؟!
فرص القبول بنتائج الانتخابات
في إجابةٍ على سؤال حول هل من المتوقع أن تحظى نتائج الانتخابات الليبية بالقبول، قال الكاتب الليبي إسماعيل القريتلي، في تصريح لـ”وكالة أنباء تركيا”، إن “هذا الأمر محلّ قلقٍ لدى الجميع، سواء الأطراف الليبية نفسها، أو المجتمع الليبي والناخب الليبي، أو حتى بتصريحات عديدة لمسؤولين في الأمم المتحدة أو في البعثة الأممية الخاصة إلى ليبيا، أو الاتحاد الأوروبي، والعديد من الدول الكبرى”.
ورأى القريتلي أنه “في هذا السياق يأتي (لقاء باريس) في محاولةٍ للتحدث عن ضمانات كافية تضغط على الأطراف لقبول النتائج”.
وتابع القريتلي “مجلس الأمن يحاول أن يحصّن نتائج الانتخابات بالحديث أكثر عن العقوبات للمعرقلين أو رافضين للنتائج، بالتالي، الأمر لا زال محلّ قلق، حتى إن الكثير من المراقبين في ليبيا والأطراف السياسية يتحدثون عن أنه لا بدّ من البحث عن ضمانات حقيقية تحقّق قبول كل الأطراف بنتائج الانتخابات”.
مستقبل الدور التركي في ليبيا
وحول مستقبل الدور التركي في ليبيا بعد الانتخابات المزمع إجراؤها، قال القريتلي إنه “رهينٌ بإقامة الانتخابات أولا، ثم إن فاز طرف آخر غير الطرف الحليف لتركيا، بالتأكيد سيكون هناك نقاشٌ حول الوجود التركي في ليبيا.. أما إذا كان من سيفوز في الانتخابات الرئاسية الليبية هو الطرف الأقرب أو من حلفاء تركيا، ستكون هناك إعادة تقنين للدور التركي بشكل أكبر”.
وتابع “في كل الأحوال، الدور التركي سيكون محلّ نقاش داخل ليبيا بعد الانتخابات”.
وتوقع أنه “إن لم تحدث انتخابات سيبقى الدور التركي كما هو، ولا قدّر الله إن ذهب الليبيون إلى احتراب جديد بين الشرق والغرب في ليبيا، ربما سيتعزّز الدور التركي بشكل كبير”.
عراقيل بالجُملة بطريق الانتخابات
من جانبه، تحدث الصحفي والباحث الليبي محمد عمران كشادة عن “وجود الكثير من العراقيل والمحاذير التي تحول دون إجراء انتخاباتٍ رئاسية وبرلمانية حرّة ونزيهة في ليبيا.
وفي حديثه لـ”وكالة أنباء تركيا”، انطلق كشادة من مسألة تحديد يوم 24 كانون الثاني/ديسمبر 2021، كموعد للانتخابات، معتبرا أن “هذا الموعد يراعي المهل الزمنية المتوافقة مع مصلحة جهات معينة دون غيرها”.
ولفت كشادة إلى “هشاشة الوضع الأمنيّ في بعض المناطق، وعدم قدرة الناخبين على التصويت بحرّية تامّة في بعض المناطق، خاصة تلك التي يسيطر عليها حفتر، فمن الناحية العملية، لا يمكن أن يكون الناخب حرًّا في الإدلاء بصوته في بنغازي مثلاً لمرشّح من الغرب الليبيّ”.
من جهةٍ ثانية، رأى كشادة أن “إجراء انتخابات دون دستور مُستفتى عليه من الشعب الليبي، أو قاعدةٍ دستورية متفقٍ عليها من كل القوى السياسية، خاصةً طرفَي الصراع، وهما مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، هي بلا شك انتخاباتٌ لن تكون ناجحة، لأنه من الطبيعي وفي ظلّ عدم وجود ضماناتٍ وتعهّدات، سيقوم الطرف الخاسر برفض نتائجها، وسيجد المبرّرات لذلك”.
وحسب كشادة “ليس الخطر بعدم إجراء الانتخابات في موعدها المعلن عنه، بل الخطر بإجرائها دون أسس وقواعد سليمة، وبدون توافق سياسي حقيقي بين طرفي الصراع”.
واعتبر أنها “ستكون مغامرة محفوفة بالمخاطر والتحديات الكبرى، إذا أخذنا في الاعتبار حجم الانقسام الكبير بين القوى السياسية شرقاً وغربا”.
ولفت إلى “حجم الانقسام والصراعات بين مؤسسات الدولة في طرابلس، وهو انقسامٌ واضح، حيث برزت الخلافات حول الصلاحيات بين المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية بشأن وزيرة الخارجية، بعد تصريحات نسبت إليها عن قضية لوكربي”.
وبيّن “الانقسام داخل المجلس الرئاسيّ نفسه، بعد المبادرة التي أعلن عنها عضو المجلس عبدالله اللافي لتأجيل الانتخابات إلى آذار/مارس 2021، وهو مقترح رفضه عضو المجلس موسى الكوني الذي كان ضمن المشاركين في الملتقى الوطني لدعم الانتخابات في طرابلس في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، ولم يؤيده رئيس المجلس محمد المنفي”.
وذكّر كشادة بـ”عجز حكومة الوحدة الوطنية عن فرض سلطتها على كامل التراب الليبي، حيث مُنع رئيس الحكومة من زيارة إحدى مدن الجنوب الليبيّ، وتعرّض لمضايقاتٍ كثيرة من أنصار حفتر أثناء زيارته إلى بنغازي وطبرق”.
وقال إن “حكومة الوحدة الوطنية هي التي من المفترض أن يكون ضمن مسؤولياتها تنظيم هذه الانتخابات والعبور بالبلاد إلى شاطئ الأمان”.
قانون انتخابي على مقاس حفتر
وأضاف كشادة أن “قانون الانتخابات الرئاسية الذي صدر عن مجلس النواب، فُصّل على مقاس مرشّح بعينه، وهو حفتر، وتعمّد القانون إقصاء مرشّح آخر ولاعبٍ مهمّ في المشهد السياسيّ الليبيّ، وهو رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة”.
وتابع “نصّت المادة رقم 12 في قانون انتخاب الرئيس، على أن المترشّح للرئاسة عليه أن يستقيل من عمله قبل ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات المقرّر في 24 كانون الثاني/ديسمبر المقبل”.
وقال “تواطأت المفوضية الوطنية للانتخابات مع مجلس النواب، حيث صدر الأحد في 7 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، قرار المفوضية الوطنية للانتخابات رقم 73 لسنة 2021، بشأن اعتماد لائحة تسجيل المرشحين لانتخاب رئيس الدولة، وجاء في المادة رقم 4 فقرة رقم 12: على المترشّح أن يقدّم من جهة عمله ما يفيد بتوقّفه عن ممارسة وظيفته بشكلٍ نهائيّ قبل تاريخ 24 كانون الأول/ديسمبر 2021 بثلاثة أشهر”.
كشادة حذّر من أن “ذهاب الليبيين إلى انتخاباتٍ رئاسية وبرلمانية دون أسسٍ قانونية سليمة وضمانات، وفي ظلّ تعطيل عمل الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، التي يمكن الطعن لديها في حال عدم قبول بعض الأطراف بنتائج الانتخابات، لن يعود بالاستقرار على البلاد، بل سيكون فاتحةً لفصلٍ جديدٍ من الصراع في ليبيا عنوانه الأبرز (مزيد من الانقسامات والصراعات)”.
وأضاف أن “ذلك من شأنه أن يمهّد لسيناريو عودة الحرب، أو الصدامات بين قوى الثورة في طرابلس، أو ظهور حكومة موازية مجدداً في بنغازي، وتلويح الشركاء في الوطن بالانفصال”، مؤكدا أن “ما سيخسره الشعب الليبيّ كبيرٌ جداً، لأن هذه الانتخابات المستعجلة ستعيق تنفيذ برامج وخطط التنمية، والإصلاحات الاقتصادية التي أعلن عنها رئيس حكومة الوحدة الوطنية”.
إسقاط الحكومة هدف الانتخابات!
ونبّه كشادة أن “الاستعجال من قبل مجلس النواب وحفتر والدول الداعمة له لإجراء انتخاباتٍ رئاسية في الموعد المقرر، من أهم أهدافه هو الإجهاز على حكومة الوحدة الوطنية التي سحبت البساط من تحت أقدام حفتر وحلفائه، ومنع مجلس النواب الميزانية عنها، وسحب الثقة منها”.
وتابع “الآن أُطلقت عليها (الحكومة) الرصاصة الأخيرة، باستعجال الانتخابات الرئاسية بقانون يُقصي بشكلٍ واضح مرشّحاً واحداً التَفّ حوله الناس في فترة قصيرة، واتخذ قراراتٍ تاريخية لم يكن عقيلة صالح أو السراج يمتلكون الشجاعة والإرادة السياسية لاتخاذها”.
ولفت إلى أنه “وفق برنامج المفوضية الوطنية للانتخابات، فإن الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية ستكون في 24 كانون الأول/ديسمبر 2021، ثم بعد مرور 52 يوما سيجتمع مجلس النواب ليقرر موعد الانتخابات البرلمانية، والجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية”.
واعتبر كشادة أن “هذا يؤكد بأن رهان الذين طبخوا وراء الكواليس قانون الانتخابات الذي أصدره عقيلة صالح دون نصابٍ قانونيّ ودون مشاركة أعضاء مجلس النواب، ونقصد هنا الدول الداعمة لحفتر، مصر والإمارات وفرنسا والسعودية وروسيا، بات من الواضح بأن رهانهم هو الانتخابات الرئاسية لكي يحققوا بصناديق الاقتراع ما عجزوا عنه بالسلاح والحرب”.
انتخابات تهدف لإقصاء تركيا!
انطلاقاً مما تقدّم، رأى كشادة أنه “لا قيمة للانتخابات البرلمانية، وما هو مستهدف منها هو إنتاج برلمان جديد مطلوب منه أن يكون (كومبارس) يضفي الشرعية على الدكتاتور الجديد في ليبيا، وهو دكتاتور تُعبّد له الطريق لحكم ليبيا وبأي ثمن”.
وأضاف أن “البرلمان الجديد إذا أبصر النور بقوانين عقيلة صالح، هو برلمانٌ لن يكون خيرا من سابقه، وإن وجدت فيه نخبٌ وطنية، ستكون غير قادرة على مواجهة ضغوطات العسكر شرقي ليبيا، إذ إن مقرّ البرلمان سيكون في طبرق كما هو الآن، أو يتمّ نقله إلى بنغازي”.
وقال إن “هذه الانتخابات الهزيلة التي يمكن وصفها بالمسرحية العبثية، لا تتعلّق فقط بصراعات الليبيين فيما بينهم، بل هي انتخابات صاغ قوانينها، مِن وراء ستار، لاعبون دوليون وإقليميون هدفهم الاستراتيجيّ إذا تحقّق لهم تنصيب حفتر أو أي شخصية سياسية بديلاً عنه، هو إلغاء الاتفاقية الليبية التركية الموقّعة في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، وضرب المصالح التركية في ليبيا، والقضاء على القوى الوطنية الليبية في طرابلس التي تحمّلت عبء وفاتورة الصراع والحرب منذ عام 2011”.
ورأى أن “شكل الانتخابات التي تمثل صمّام أمان لليبيا كدولة وللقوى الوطنية، هي انتخابات على أسس سليمة، إما دستور، أو قاعدة دستورية متّفق عليها بين طرفي الصراع، وهما مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة”.
أيهما الأفضل.. الانتخابات أم التأجيل؟ّ!
في ظلّ الصراعات والانقسامات والتدخلات الأجنبية التي تعاني منها الدولة الليبية، عبّر كشادة عن اعتقاده أن “الحلّ الأمثل هو تأجيل الانتخابات الرئاسية، وإجراء انتخابات برلمانية بغرفتين: مجلس للنواب في بنغازي، ومجلس للشيوخ في طرابلس، وأن تُجرى الانتخابات وفق قاعدة دستورية وبالتوافق بين طرفي الصراع”.
وأوصى أن “تستمر حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسيّ لفترة انتقالية لا تقلّ عن 18 شهراً، حيث يكون من أولويّاتها الاستمرار بالإصلاحات الاقتصادية لرفع المعاناة عن الشعب الليبيّ الذي دفع فاتورةً باهظة نتيجة الصراع والحرب، ومعالجة الملفات الشائكة التي من أهمّها المصالحة الوطنية، وعودة النازحين والمهجّرين، وتوحيد المؤسسات، وفرض هيبة الدولة”.
وختم مقترحه بالقول إنه “في هذه الفترة يكون المجلس الرئاسيّ مجتمعا بكل أعضائه بمثابة رئيس الدولة، وتعمل الحكومة بشكلٍ جدّي لإتاحة الفرصة أمام كلّ الليبيين للاستفتاء على الدستور، لتصبح هناك فرصةٌ حقيقية لإجراء انتخابات رئاسية نزيهة وعلى أسس سليمة”.
تجدر الإشارة إلى أن العديد من النواب وأعضاء مجلس الدولة والأحزاب، يتّهمون رئاسة مجلس النواب بإصدار قانون الانتخابات الرئاسية دون عرضه للتصويت، وفق ما ينصّ الإعلان الدستوري.
وكان مشروع قانون الانتخابات البرلمانية قد فشل في الحصول على النسبة الموصوفة التي تعادل 120 صوتا، إذ لم يتجاوز عدد النواب الحاضرين الـ 34 نائبا.
وأيضا فإن مجلس النواب لم يتشاور بشأن هذين القانونين مع المجلس الأعلى للدولة كما ينصّ الاتفاق السياسي.
وفي حال أرادت المحكمة الدستورية، سيكون من السهل عليها إلغاء أي انتخابات تجرى على أساس هذين القانونين على غرار ما فعلته المحكمة العليا في العام 2014، عندما ألغت انتخابات مجلس النواب.







