926 عاما على الخطاب البابوي الذي أطلق الغزوات الصليبية ضد الشرق (تقرير)

أوربانوس الثاني.. البابا الذي جلب الموت إلى الشرق بحجّة حماية المقدسات المسيحية

في27 تشرين الثاني/نوفمبر 1095، انطلقت الشرارة الأولى للحروب الصليبية، عندما ألقى “أوربانوس الثاني” بابا الفاتيكان، خطاباً شهيراً جيّش من خلاله رعيّته للتعبئة تحضيراً لموجاتٍ متتالية من الغزوات الصليبية ضد بلاد الشرق.

بحسب المؤرّخين، اعتمد أوربانوس في خطابه الذي ألقاه أمام مجمع “كليرمون- فران” المنعقد وسط فرنسا، على معلوماتٍ مضلّلة تدّعي أن بلاد المسيح قد انتُهكت حرمتها، وأن من أسماهم الوثنيين أو الكفّار قد دنّسوا إرث المسيح واستولوا على “قبره” وكنائس المسيحيين وحوّلوها إلى اسطبلات لأحصنتهم وذبحهم، وأن الدماء المراقة في الشرق تناديكم.

يصف المؤرّخون أوربانوس الثاني بأنه من أشد رجال الدين المسيحيين تعصّباً، وأنه كان مؤمناً بتصدير المسيحية الكاثوليكية، وينادي بتحويل المسيحية إلى دينٍ يسمح بحمل السلاح وشنّ الحروب.

وخدمةً لذلك، روّج لنشر أخبار مبالغ بها عن “الاضطهاد” بحقّ مسيحيي الشرق، دعا على أساسها إلى شنّ حملاتٍ صليبية لتخليصهم من الحكام العثمانيين.

وبحسب الخطاب، هدفت الحملات التي أطلقها أوربانوس الثاني تحت شعار “الحرب المقدسة”، إلى انتزاع القدس من المسلمين وإخضاعها للكنيسة الكاثوليكية. ولتحقيق غايته، وجّه خطابه التاريخيّ نحو التسلسل الهرمي للكنيسة.

وبالفعل، ترك الخطاب أثرًا قويًا على جموع الحاضرين، خاصةً أن أوربانوس عمد إلى إطلاق وعود لجميع الحاضرين والذين سيشاركون بالحرب، بمنحهم صكوك الغفران الإلهي عن جميع خطاياهم مكافأةً على خدمتهم المسيح والمسيحيين.

اتضح لاحقاً أن هذه لم تكن سوى استراتيجية للسيطرة على عقول المسيحيين، وخاصةً البسطاء منهم، لدفعهم إلى بذل الأنفس والموت دون تردد.

لكن الجانب الديني لم يكن ليكفي جميع الحاضرين، فعمد إلى استجداء نصرتهم للحرب التي يخطط لها عبر إثارة مطامعهم بالحصول على جائزةٍ عظيمة، لم تكن سوى أراضي الشرق، وخاصة “فلسطين التي تفيض باللبن والعسل” كما يقول الكتاب المقدس.

وكان جلياً أن العديد من النبلاء الذين سارعوا للمشاركة في الحروب الصليبية كانت أطماعهم تصبّ في الطموح بتأسيس ممالك وإمارات تحت حكمهم في تلك البلاد، ليصبح لهم نفوذهم الخاص ومكانتهم العظيمة بين الشعوب.

في جميع الحملات الصليبية اللاحقة، تم استخدام الاستراتيجية نفسها بمهارةٍ عالية، بعد أن أثبتت فعاليةً كبيرة بين الفقراء لجهة التأثّر الديني، وبين النبلاء والفرسان لجهة أطماع السلطة والتملّك.

ومن البديهيّ أنه كان لا بد من مساهمة الأثرياء في تمويل الحملات المنشودة التي استمرّت على مدى أكثر من قرنين من الزمن، تخللتها اعتداءاتٌ دامية أودت بحياة أعداد كبيرة من المسلمين والمشرقيين غير المسلمين على حدّ سواء.

وبعد انتهاء البابا أوربانوس الثاني من خطابه، نهض إليه الأسقف أدهمير دي مونتيلن، وركع أمام قدميه، والتمس منه الإذن بأن يلتحق بحملته المقدسة، عند ذلك انجرّ المجتمعون وتدافعوا بالآلاف يركعون أمام البابا حاملين الصلبان، وأقسموا على “تخليص” المدينة المقدسة.

وإزاء هذا الاندفاع الذي أبداه أدهمير، عيّنه البابا ممثلاً شخصياً ونائباً عنه، ليوضح للجميع أن الحملة تحت إشراف الكنيسة، بل تحت إشرافه هو مباشرة.

ولأن المسيحية كانت دين سلام وحب ومسامحة، برّر البابا دعوته إلى الحرب بالقول إنها حرب عادلة، بهدف استعادة الأراضي المقدسة في الشرق التي هي ملكٌ للمسيحيين، وقد تم الاستيلاء عليها من قبل المسلمين.

وهكذا برّر رأس الكنيسة المسيحية، الدمويةَ القادمة لعقودٍ تلت، وحفّز المسيحيين على القتل باسم الصليب بحجة تخليص مسيحيي الشرق من “الظلم” الواقع عليهم هناك.

لكن العديد من المصادر التاريخية تؤكد أن مسيحيي الغرب أقدموا على ارتكاب الجرائم بحق مسيحيي الشرق بهدف استعطاف النجدة من الشعوب والنبلاء، بل إنهم عندما وصلوا بلاد الشرق ميّزوا بين مسيحي غربي ومسيحي شرقي، فوضعوا الأخير في مرتبةٍ أقلّ قدراً منهم، واعتبروه عدواً لهم، للتخلص منه والاستيلاء على أملاكه مثله مثل المسلمين.

 

بعد انتهاء المجمع الكنسي في كليرمون، شرع أوربانوس الثاني في كتابة العديد من المناشدات وباشر جولةً وعظية في فرنسا بين العامين 1095 و1096، بهدف تجنيد أكبر عدد ممكن من المحاربين.

لم يغفل البابا خلال جولاته تطعيم روايته بحكاياتٍ مبالغ فيها عن تدنيس الآثار المسيحية، واضطهاد المؤمنين المسيحيين وتعذبيهم.

كما أرسل السفراء والرسائل إلى جميع أجزاء العالم المسيحيّ، وتحوّلت الكنائس الرئيسة إلى مراكز لتعبئة وتجنيد المقاتلين، حيث تمّ تكرار خطبة كليرمون أكثر من مرة، كما عملت الكنائس والأديرة في المناطق الريفية كمراكز تعبئة، وتولّت مهمّة جمع المال اللازم للشروع بالمهمّة.

وهكذا، أمضى المسيحيون عام 1096 في حشد المحاربين المدفوعين بحميّتهم الدينية ودافع الغفران، بالإضافة إلى الحج والمغامرة والرغبة في الثروة المادية.

وبعد نجاح الدعوة إلى القتال، تم تحديد الـ 15 آب/أغسطس من العام ذاته يوماً لانطلاق الحملة وشدّ الرحال باتجاه الشرق، بعدد جنودٍ قدّر بنحو 60.000، بينهم محو 6000 فارس.

في العام 1097 تمكنت الحملة الصليبية الأولى من الاستيلاء على نيقية، وانتصرت في ضورليم في حزيران/يونيو من العام 1098، ثم تم الاستيلاء على أنطاكيا بعد حصار طويل وهزيمة فرقة إسلامية قدمت لتقديم العون.

بعد ذلك، سقطت القدس يوم 15 تموز/يوليو 1099، كما تكبّد جيش مسلم قدم للنجدة في عسقلان في شهر آب/أغسطس من العام نفسه خسارة فادحة، ثم سقطت قيصرية وعكا عام 1101 م.

في 29 تموز/يوليو من العام 1099، توفي أوربانوس الثاني، دون أن تصله أخبار نجاح الحملة الدموية التي دعا إليها، فبحلول هذا التاريخ كان مجمع كليرمون قد حقّق مبتغاه، وأعاد “الأراضي المقدسة” إلى المسيحيين على دماء الأبرياء والبسطاء من الجانبين، وبسط سيطرته على ما أمكن من مقدّرات الشرق.

لكنّ هذه التعديات لن تستمرّ طويلاً، فالمشرقيون لن يسكتوا عن استرجاع أراضيهم، وسيكون  الحفاظ على مكتسبات الغزوات الصليبية أمراً مستحيلاً، في ظلّ إصرار أهالي الشرق على دحرهم من بلادهم، وتكبيدهم الخسائر الفادحة في الأرواح والمال لدرجة عجز معها الملوك والنبلاء عن الاستمرار في تمويلها.

Exit mobile version