34 عاما على تأسيس “حماس”.. عقود من المقاومة وثبات بوجه المحتل (تقرير)

تحل، اليوم الأربعاء، الذكرىالسنوية الـ 34 على تأسيس حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، والحركة تواجه موجةً عاتيةً تسعى إلى نزع صفة المقاومة عنها ووصمها بالإرهاب، كما حدث مؤخرا في بريطانيا.

لم تكن طريق “حماس” يوماً معبّدةً أمام خطواتها التحررية بوجه المحتل الإسرائيلي، لكنها اليوم تختبر شكلاً مزدوجاً من المقاومة، في الداخل الاحتلال الإسرائيلي، وفي الخارج كل من يصدّق بروباغاندا الإعلام المنصاع للاحتلال ويدعمه أو يصدّق روايته الخادعة.

فبالنسبة لمعظم دول الغرب، نجحت “إسرائيل” بتصدير رواية أنها “في موقع الدفاع المشروع عن النفس بوجه الإرهاب الذي تنفذه (حماس)”.

فهل لدى الحركة خطة واضحة لاسترجاع زخمها وإجبار العالم على فتح عيونه من جديد لرؤية الحقيقة المتمثلة في أن “إسرائيل” هي كيانٌ محتل، وأن “حماس” وغيرها من حركات المقاومة لديها كل الحق بالسعي للتحرر من الاحتلال ورفض ظلمه وإجرامه ومقاومته بكل الطرق الممكنة، إلى حين طرده وتحرير الأراضي الفلسطينية كافة، تماماً كما طرد طُردت جيوش الاستعمار جميعها من بلدان الشرق الأوسط قبل عشرات السنين!

لعلّ ما يعزّ على “حماس” أكثر هذا العام، هو أن ذكرى تأسيسها الـ 34 تأتي فيما تهرول دول عربية للتطبيع مع الاحتلال، الأمر الذي وضع القضية الفلسطينية ككل على منعطف خطير.

فهل تنجح “حماس” بالتعامل مع هذه التغيّرات وتتمكن من الصمود ومتابعة نشاطها المقاوم في زمن الانكفاء العربي عنها وعن القضية الفلسطينية؟

يرجع تأسيس حركة المقاومة الإسلامية “حماس” إلى 15 كانون الأول/ديسمبر 1987، عندما وزّعت بيانها التأسيسيّ الأول، الذي أعلن تحوّل نشاطها رسمياً من العمل الدَعَويّ والإغاثي في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلى العمل العسكريّ المقاوم اعتباراً من الثمانينيات.

ويعود الفضل بتحوّل نشاط الحركة إلى مؤسسها وأبرز قادتها الشيخ أحمد ياسين، عندما أوعز لمن معه بالمشاركة الفاعلة في إطلاق شرارة انتفاضة الحجارة عام 1987.

كان الشيخ ياسين قد اعتُقل عام 1983 على خلفية تشكيله خلايا مسلّحة نفّذت عمليات عسكرية ضد جنود الاحتلال ومستوطنيه، وحُكم عليه بالسجن 13 عاماً، إلا أنه عاد وأُطلق سراحه في عملية تبادل للأسرى عام 1985.

وعام 1985 أنشأت الحركة أول جهاز أمنيّ عسكريّ، عُرف باسم “منظمة الجهاد والدعوة” (مجد)، برئاسة يحيى السنوار، الذي يقود حاليا الحركة في قطاع غزة.

ثم قرّر الشيخ ياسين تشكيل جهاز عسكري، اسمه “المجاهدون الفلسطينيون”، وتولّى رئاسته صلاح شحادة.

في 15 كانون الأول/ديسمبر 1987، تقرّر إنشاء حركة المقاومة الاسلامية “حماس”، والتي تم اختصار اسمها حينئذٍ بـ (ح، م، س،)، قبل أن تعدّل إلى “حماس”، وأصدرت بيانها الأول في مثل هذا اليوم، وذُيِّل بشعار “إنه لجهاد.. نصرٌ أو استشهاد”.

وفي 18 آب/أغسطس 1988 صدر الميثاق الأول عن قيادة الحركة، ونصّ على مبادئها وثوابتها العامة، والتي كان أبرزها السعي لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر عن طريق المقاومة العسكرية المسلّحة، دون التفريط أو التنازل عن أيّ جزء من فلسطين، ورفض الاعتراف بـ”إسرائيل”.

عام 1992، تغلبت الحركة على الضربات العسكرية والتنظيمية التي واجهاتها، وانبثق عنها الجناح العسكري المعروف باسم “كتائب الشهيد عز الدين القسام” والذي شكّله ياسر النمروطي، القائد العام الأول لـ”القسّام”، لكنه استُشهد في العام نفسه خلال اشتباك عسكري.

وفي العام نفسه أيضاً، نجحت كوادر عسكرية من الحركة بالانتقال إلى الضفة الغربية، حيث شكّلوا مع القيادات العسكرية في الضفة خلايا نفّذت عمليات عسكرية نوعية وقوية، أبرزها عملية أسر جندي الاحتلال نسيم توليدانو، والتي أصدر على إثرها الاحتلال الإسرائيلي قرارا يقضي بإبعاد نحو 450 كادرا وقياديا من الحركة إلى مخيم مرج الزهور في الجنوب اللبناني.

كان هذا التطوّر بمثابة تحدٍ صعب في تاريخ الحركة، لكنها نجحت بالتغلّب عليه، ولم يمضِ عامٌ إلا وكان المُبعَدون قد عادوا، بعد أن ناضلوا ورفضوا التوجّه إلى الجنوب اللبناني، حيث أقاموا في هذه الفترة مخيما موقّتا ريثما يسقط قرار الإبعاد الصهيوني.

رغم أن “حماس” تعتبر جغرافيا بمتناول يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، إلا أنها أعجزت الأخيرة وأفشلت كل محاولاتها المتكررة للقضاء عليها، حتى إن رئيس وزراء الاحتلال الأسبق إيهود باراك تحدّث عن الحركة مشبّهاً إياها بـ”التنّين الذي كلما قُطِع منه رأس تولد رؤوس متعددة غيره”، في إشارة واضحة إلى العجز عن إضعافها أو القضاء عليها.

واليوم، ورغم حالة الحصار التي يعانيها لدرجة أصبح بمثابة سجنٍ كبير، إلا أن قطاع غزة يعتبر بمثابة الرئة الذي تتنفس بها “حماس”، خاصة أنه شكّل المعقل الأساسي لأذرعها الأمنية والعسكرية.

ونتيجة أعوام من العمل المقاوم وتطوير العمليات العسكري لكتائب القسّام، تمكّنت الحركة بالتعاون مع غيرها من قوى المقاومة، من تحرير قطاع غزة عام 2005.

منذ ذلك التاريخ، أصبحت غزة أول قطعة أرض فلسطينية محرَّرة منذ احتلال فلسطين، ليتحوّل القطاع بعدها إلى ساحة تدريب وتأهيل وبناء للمقدِرات العسكرية لكتائب القسام وفصائل المقاومة.

عرفت الحركة تحوّلاً جوهرياً تمثّل بانتقالها من المقاومة البسيطة بعدد محدود مسلّح بعتاد خفيف، لتصبح جيشاً عسكرياً منظَّماً، يضمّ تحت ألويته عشرات آلاف المقاتلين، ضمن تشكيلات وتخصّصات عسكرية متعدّدة.

لكن قوّتها المتعاظمة جعلتها هدفاً للعدوان الإسرائيلي المتكرر عليها، أملاً بالقضاء عليها، فوجدت الحركة نفسها بمواجهة 4 حروب شرسة على قطاع غزة منذ العام 2008، كان آخرها منتصف عام 2021.

أظهرت المعركة الأخيرة مدى التقدم العسكري الذي أحرزته “حماس”، والذي نقل غزة من الاكتفاء بموقع الدفاع عن النفس وتلقّي الضربات، إلى القيام بقصف العمق المحتل، حيث تم قصف القدس و”تل أبيب” بأكثر من 4000 صاروخ، ما أجبر الاحتلال الإسرائيلي على الاعتراف أن كثافة إطلاق الصواريخ غير مسبوقة منذ إنشاء الكيان المحتل.

وعلى عتبة عامها الـ 34، تؤكد “حماس” تمسكها بثوابتها، ورفضها التنازل عن أي منها مهما اشتدّ الحصار على قطاع غزة، مع التأكيد على رغبتها الصادقة بترتيب البيت الفلسطيني، وصولاً إلى إنشاء دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة.

وفي كلمة تلفزيونية بمناسبة الذكرى الـ 34 لتأسيسها، أكد رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية، أن “ما لم يؤخذ من غزة بسيف الحصار والحروب لا يمكن أن يؤخذ بسيف الإعمار أو سيف تبادل الأسرى”.

ولفت إلى أن “المحاولات كافة التي كانت تهدف لدفع (حماس) إما بالحصار أو بالحرب أو بالعدوان أو بالمؤامرات، للتخلّي عن أي من ثوابت الشعب، فشلت ولم تنجح”.

ولا يعكس هذا الخطاب لهنيّة إلا التمسك بالثوابت وحفاظ الحركة على زخمها وقوّتها وإصرارها على النضال، حتى بعد التخلّي الدولي المتزايد عن القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني.

اقرأ أيضا.. خالد مشعل: تركيا باتت متفوقة على الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة

Exit mobile version