أكدت زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى العاصمة السورية دمشق، مطلع الأسبوع الجاري، أن العلاقات السورية التركية دخلت مرحلة جديدة تتجاوز التنسيق الأمني والاتصالات المرتبطة بالحدود، باتجاه بناء شراكة سياسية واقتصادية وأمنية أكثر اتساعاً.
وجاءت زيارة فيدان إلى العاصمة السورية يومي 13 و14 أيلول/سبتمبر 2026، بعد أيام من زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى العاصمة التركية أنقرة، وفي وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية في الشمال والجنوب السوريين.
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية من كونها جاءت قبل زيارة مرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى دمشق، إذ قال فيدان إن زيارة أردوغان ستشكل خطوة مهمة في مسار العلاقات بين البلدين، من دون تحديد موعد لها.
من التنسيق إلى الشراكة
تعكس طبيعة اللقاءات التي عقدها فيدان في دمشق اتساع أجندة العلاقات الثنائية.
فقد التقى فيدان الرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، كما عقد اجتماعاً ثلاثياً مع الشيباني ووزير الداخلية السوري أنس خطاب، في لقاء عكس دخول الملفات السياسية والأمنية في مسار أكثر ترابطاً.
وتشمل أجندة التعاون بين تركيا وسوريا ملفات التجارة والطاقة والنقل والربط الإقليمي، إلى جانب الأمن وتعزيز مؤسسات الدولة السورية، فضلاً عن عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة.
وقال الباحث السياسي محمد سليمان في حدثه لـ “وكالة أنباء تركيا” إن “زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق تكتسب أهمية استراتيجية بارزة، كونها تأتي في سياق تسريع الشراكة التركية السورية بعد سقوط نظام الأسد، كان لقاء فيدان مع الشرع ووزيري الخارجية والداخلية السوريين جيداً ومثمراً، حيث بحث معهم الكثير من الملفات، منها تعزيز التعاون في الطاقة والتجارة والنقل والأمن، وتفعيل اللجنة العليا المشتركة التي تضم ملفات استراتيجية، منها ملف تأمين عودة اللاجئين السوريين من تركيا، مع التركيز على أحد أهم الملفات، وهو ملف اندماج قسد تحت مظلة الدولة السورية والحفاظ على وحدة الأراضي”.
وأضاف “يأتي التوقيت حساساً وسط أيام حرجة للمنطقة، مع تصاعد التوغل الإسرائيلي في الجنوب والقصف المتكرر، الذي وصفه وزير الخارجية فيدان بأخطر عائق أمام الاستقرار”.
وأشار إلى أن الزيارة “مهدت للتأكيد على زيارة مرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ما يعكس رغبة أنقرة في ترسيخ دورها الداعم لإعادة الإعمار والاستقرار، وتعكس الخطوة تحولاً من مرحلة الدعم العسكري إلى الشراكة المؤسسية، رغم التحديات الأمنية والإقليمية المستمرة”.
وتنسجم هذه القراءة مع ما أعلنته وزارة الخارجية التركية قبل الزيارة، إذ أشارت إلى أن المحادثات ستتناول تعزيز الإطار المؤسسي والقانوني للتعاون في التجارة والطاقة والنقل والربط الإقليمي، إلى جانب التطورات المتعلقة بعملية الاندماج في سوريا والحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها.
قسد.. الاختبار الأكثر حساسية
يبقى ملف تنظيم “قسد” أحد أكثر الملفات حساسية في الحسابات التركية والسورية، فأنقرة تنظر إلى إنهاء أي بنية عسكرية خارج سلطة الدولة السورية باعتباره جزءاً أساسياً من ترتيبات الأمن على حدودها الجنوبية، بينما تسعى دمشق إلى استعادة السيطرة الكاملة على مؤسسات الدولة والجيش والأمن، ضمن مسار سياسي وتفاوضي لدمج المكونات والقوى المسلحة.
وفي دمشق، قال فيدان إن أنقرة تعتبر إعلان “قسد” حل نفسها خطوة مهمة وقيمة، لكنه شدد على ضرورة تحويل القرار إلى إجراءات ملموسة على الأرض من دون تأخير.
ويعني ذلك أن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة دمشق على تنفيذ التفاهمات المتعلقة بالدمج، وضمان انتقال السلاح والقوات إلى مؤسسات الدولة، خصوصاً أن أي تعثر في التنفيذ قد يعيد الملف إلى دائرة التوتر الإقليمي.
ويرى الباحث في العلاقات الدولية عبد الباسط أبو نبوت، أن أهمية الزيارة تتجاوز ملفاً واحداً، لتشمل إعادة صياغة آليات التعامل بين البلدين.
وقال أبو نبوت في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا” إن “زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق تأتي في توقيت بالغ الأهمية، لتؤكد أن العلاقات السورية التركية تتجه نحو رفع مستوى التنسيق والانتقال من التفاهمات إلى خطوات عملية وتنفيذية في الملفات المشتركة”.
وتبرز أهمية الزيارة في ظل تحديات باتت مشتركة، أمنياً وسياسياً واقتصادياً، وفي مقدمتها حماية الاستقرار الإقليمي واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها. كما تعكس المواقف التركية الداعمة لسوريا تأكيداً على مبدأ استقلال القرار السوري وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والتعامل معها كشريك في مواجهة التحديات المشتركة، حسب تعبيره.
ويرى أبو نبوت أن “الزيارة تكتسب بعداً سياسياً وأمنياً إضافياً، باعتبارها رسالة دعم وتأكيداً على استمرار التنسيق السوري التركي في مواجهة التحديات التي تمس أمن المنطقة واستقرارها”.
وختم بالقول “ومن هنا، يمكن قراءة زيارة فيدان كخطوة لتعزيز شراكة تقوم على المصالح المشتركة، والتنسيق، واحترام السيادة، والعمل المشترك من أجل أمن واستقرار المنطقة”.
الجنوب في صلب الحسابات
لم يأتِ التحرك التركي بمعزل عن التطورات في الجنوب السوري، خصوصاً في السويداء والقنيطرة، حيث تصاعدت المخاوف من تداعيات الاعتداءات المتكررة للاحتلال الإسرائيلي على الأراضي السورية.
وقد كان هذا الملف حاضراً بوضوح في تصريحات فيدان من دمشق، إذ أكد أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى زعزعة استقرار سوريا، ووصف سياساته أنها من أبرز العقبات أمام المسار الإيجابي في سوريا.
ومن الجانب السوري، تبدو الحاجة إلى دعم إقليمي ودولي أكثر وضوحاً في ظل تعدد التحديات، لكن مع الحفاظ على مركزية القرار السوري في إدارة الملفات الداخلية والسيادية.
الاقتصاد وإعادة الإعمار
إلى جانب الملفات الأمنية، تبرز الأبعاد الاقتصادية باعتبارها جزءاً أساسياً من المرحلة المقبلة، فاستقرار سوريا يمثل بالنسبة إلى تركيا مدخلاً لإعادة تنشيط التجارة والنقل والطاقة والربط الإقليمي، في حين تحتاج دمشق إلى بيئة إقليمية داعمة لتسريع إعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد.
وتشير أجندة زيارة فيدان إلى أن أنقرة تسعى إلى تعزيز الإطار المؤسسي والقانوني للتعاون، وليس الاكتفاء باتفاقات أو تفاهمات ظرفية.
وهذا التحول يفتح الباب أمام مشاريع أوسع في البنية التحتية والطاقة والنقل والتجارة، وربط سوريا بمسارات إقليمية أوسع.
كما أن ملف اللاجئين السوريين في تركيا يبقى حاضراً في الحسابات الثنائية، باعتباره ملفاً مرتبطاً بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والأمني في البلدين.
أردوغان أمام مرحلة جديدة
وتبدو زيارة فيدان، في هذا السياق، أقرب إلى وضع اللمسات السياسية والأمنية على ملفات ستطرح في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع التحضير لزيارة أردوغان إلى دمشق.
فالزيارة الرئاسية المرتقبة ستكون، وفق المعطيات المعلنة، مناسبة لمراجعة ما تم التوصل إليه من خطوات، ودفع العلاقات نحو مستويات أعلى من التعاون.
وقد أكد فيدان أن العلاقات السورية التركية اكتسبت زخماً كبيراً خلال العامين الماضيين، وأن أنقرة تواصل دعم وحدة سوريا واستقرارها وازدهارها.
وبذلك، تكشف زيارة فيدان عن انتقال تدريجي من إدارة الملفات الطارئة إلى بناء علاقة مؤسسية طويلة الأمد.
ووسط كل ذلك، يرى مراقبون أن زيارة هاكان فيدان إلى دمشق جاءت في لحظة تتقاطع فيها ملفات الأمن والسياسة والاقتصاد وإعادة الإعمار، لتؤكد أن العلاقة السورية التركية لم تعد محصورة في إدارة الحدود أو الملفات الأمنية، بل تتجه نحو صياغة شراكة أوسع.
