قراءة على هامش لقاء وزير الدفاع التركي والسوري برعاية روسية (الجزء الثاني)

بعيداً عن التحليلات التي أوردناها في الجزء الأول من هذا المقال، فإن ردود الفعل الشعبية السورية في الداخل ودول اللجوء كانت غاضبة من لقاء وزيري الدفاع التركي ونظيره السوري برعاية روسية، فبعد ساعات من لقاء النظيرين التركي والسوري، أورد المركز السوري لحقوق الانسان خبرا يؤكد فيه تنامي الغضب الشعبي في مناطق شمال غرب سوريا، وأشار إلى دعوات من ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، للخروج في مظاهرات رفضاً لخطوات التقارب بين تركيا التي تعد الداعم “الأول” للثورة السورية  والنظام الذي أذاقهم الويلات وقتل أبناءهم بكل الطرق سواء بالقصف أو بالتعذيب في المعتقلات أو بالجوع، وأعتقل إخوانهم في سجون أنشئت خصيصاً لإنهاء مستقبل المعتقلين للأبد، وأخفى أقاربهم قسراً حتى اعتادوا أن يحتسبوهم شهداء، إلا ما أسعده الحظ وعرف مصيره في إحدى المعتقلات سالفة وسيئة الذكر، وأضاف المرصد السوري أن السوريين طالبوا الحكومة التركية بإصدار بيان لتوضيح موقفها من التطبيع مع النظام الموصوف قبل أشهر بالقاتل. 

ولأن الشعوب، وإن وعت السياسة وعرفت قواعدها، فإن تحركاتها في النهاية تحركات مدفوعة بالعواطف، فلطالما هتفت بالفداء للزعيم الذي أذاقها الويلات وألبسها لباس الخوف والجوع، لمجرد أنه دغدغ مشاعرها بشعارات براقة أو وعدهم بوعود يعرفون مسبقاً أنه لا قدرت له على حملها، لكن العاطفة، يا صديقي، والإعلام، ومكر الليل والنهار، واسمع لجوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير حيث يصف الجماهير بأنه لا يمكن تحريكها والتأثير عليها إلا بواسطة العواطف المتطرّفة والشعارات العنيفة، وكذلك التكرار دون إثبات أي شيء عن طريق المحاصصة العقلية، فالجماهير لا تعرف إلا العواطف البسيطة.

لذا فإن مساءلة الحكومة التركية عن لقاء أرادت به جلب مصلحة شرحنا بعضها في مقالنا الأول، إنما هو خطاب العواطف من قيادات المعارضة، المفعول بها، لجماهيرها، للحيلولة دون سؤالها هي نفسها، ماذا قدمت هي للثورة السورية، ولماذا أخفقت، وهل تمت مراجعة أسباب الإخفاق، وهل بالأساس كان لديها رؤية تحولت إلى استراتيجية انبثقت عنها سياسات بخطط تشغيلية وفعاليات سواء سياسية أو عسكرية تحقق الهدف المأمول لتلك الجماهير المتعطشة للحرية، أسئلة كثيرة يجب أن تسألها الجماهير لتلك القيادة التي سلمتها زمام أمرها، لكنها مع هذا يجب أن تسأل نفسها، هل أنا فعلاً مع الثورة، والسؤال الأسبق، ما هي الثورة، وهل حققت الثورة في نفسي وبيتي ومحيطي في السكن والعمل.

هذه الأسئلة ليست سوطاً يجلد به كاتب هذه السطور ظهور من يلومون تركيا على إقدامها على التنسيق مع النظام السوري من أجل تحقيق مصالحها، فتركيا ليست خلافة المسلمين ولا واحة المضيوم، ولا رئيسها مسؤول العناية الإلهية لإنقاذ الشعب السوري الذي لم تقدم قياداته ما يعينه على إعانتها، رغم كل ما قدمه الرجل وبلاده أو على وجه التحديد حكومته وجماهير حزبه للقضية السورية، وما تحمله في سبيل ذلك من طعنات سواء في الداخل أو الخارج ولا يزال، كما أن هذه الأسئلة ليست تبريراً لإدارة نعيش في كنفها، فلقد ذاق المصريون ما ذاقه السوريون، وإن تأخر مشهد النهاية، لكنه آت لا محال.

هذه الأسئلة طرحت كجرس إنذار لإعادة النظر في مفاهيمنا ومن ثم تربيتنا سواء الاجتماعية أو الدينية أو السياسية، إعادة النظر في منتج هذه التربية وما أفرزه من أفراد مأزومين على مستوى القيادة، وجماهير مأزومة على مستوى القواعد، علينا ألا نصنع الشماعات لنعلق عليها فشلنا، لا يجب أن نضع هدفاً كي نطلق عليه الرصاص، لنرضي ذواتنا ونشبع غرورنا ونبرئ أنفسنا، إن ما حدث في سوريا وسيحدث في مصر تحسبه المعارضة شراً بل هو خير، لو عقلت ما يمكن أن يبنى عليه، فالثورة لم تهزم كما يظن البعض، كما أنها لن تنصر بالبيانات والتظاهرات والخطابات المتشنجة التي تفرغ الشحنات، إنما ستنصر بوقفة عاقلة مع الحدث، وقفة طالبنا بها منذ ما يقارب العشر سنوات، وقفة مبنية على العلم، وبعيدة عن تفكير القطيع بالسمع والطاعة وسط المجموع، مراجعة تتبنى المراقبة والمتابعة الفنية والمالية وكتابة التقارير وبحثها والوقوف على أوجه القصور ووضع خطط لجبرها ووضع المؤشرات والمحددات والعمل على تدقيقها والسير في أطوارها.

هذه المراجعة تحتاج إلى قيادات مؤمنة بدور العلم وقيادات وسطى تحمل ذلك العلم ومؤمنة بدورها، فإن غاب المستويين أو غاب إيمانهما بأدوارهما فعلى القيادات الدنيا أو القواعد أن تعمل على استبدالهما، وهو ما أظنه واجب الوقت الآن، فنحن أمام فاصلة زمنية، وأعيد، بأن ثوراتنا لم تهزم، وإن روج البعض لذلك، لكن مؤشرات النجاح تكمن في التغير البنيوي للشعوب وطرق تفكيرها وتعاطيها مع الأحداث والقرارات، ويبقى فقط العمل على تدقيق منظومة الإدارة وإعادة وضع الأهداف الإستراتيجية بناء على القدرات والإمكانيات المتاحة، على أن تحمل الأهداف الاستراتيجية بناء جيل يحمل أمانة تحقيق هذه الأهداف مرحلية كانت أو استراتيجية، فإن التجارب التي عاشها جيل ما ليست غير ذات جدوى بالنسبة للجيل اللاحق؛ بل على العكس، إذا ما وضعت في محل التحليل والنقد واستخلاص العبر، والأهم في كل هذا هو بناء منظومة تفكير تغير العادات السلوكية التقليدية لاستخلاص النتائج، مع الإيمان بسنة التدافع بأنه يوم لك ويوم عليك وإن غداً لمن أعد له بالنصر قريب.

اقرأ أيضا.. قراءة على هامش لقاء وزيري الدفاع التركي والسوري برعاية روسية (الجزء الأول)

Exit mobile version