الميليشيات الإيرانية لم تطلق رصاصة واحدة ضد الاحتلال الإسرائيلي من سوريا.. لماذا؟ (تقرير)

في خضم حرب نظام الأسد المخلوع على الشعب السوري والتي اندلعت في 2011، برزت إيران كلاعب رئيسي في دعم هذه الحرب، حيث أرسلت ميليشيات موالية لها لتثبيت أقدامه في مواجهة الشعب، وقتل الكثير من المدنيين وتدمير المئات من القرى وأرياف المحافظات السورية وحتى بعض المدن السورية.

لكن، على الرغم من هذا الحضور العسكري الميليشياوي الكثيف والخطاب الإيراني الذي يرفع شعار “مقاومة الاحتلال الإسرائيلي”، لم تُطلق الميليشيات الإيرانية رصاصة واحدة مباشرة ضد الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي السورية طوال سنوات دعمها لنظام بشار الأسد المخلوع.

هذا السلوك يثير تساؤلات كبرى حول أهداف إيران الحقيقية في سوريا، وما الذي كان يمنع هذه الميليشيات من فتح جبهة مع الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي السورية؟

الدور الإيراني في سوريا: دعم لوجستي وميليشياوي هائل

منذ بداية الاحتجاجات ضد نظام الأسد المخلوع، رأت إيران في بقاء حليفها هناك ضمانة لمصالحها الإقليمية، ولم تكتفِ طهران بتقديم الدعم اللوجستي والمالي، بل أرسلت قوات من الحرس الثوري الإيراني وميليشيات للقتال إلى جانب قوات نظام الأسد.

وبحسب تقارير غربية، بلغ عدد المقاتلين المدعومين من إيران في سوريا عشرات الآلاف في ذروة الحرب على الشعب، مع تقديرات تشير إلى أن إيران أنفقت ما بين 6 إلى 15 مليار دولار سنويًا لدعم الأسد خلال السنوات الأولى لحرب على الشعب.

بينما كانت هذه الميليشيات تخوض معارك ضارية ضد الشعب السوري، بدا أن الاحتلال الإسرائيلي، العدو اللدود في الخطاب الإيراني الشفهي، لم يكن على رادارها العملياتي، فلماذا لم تستغل إيران حضورها في سوريا لتوجيه ضربات مباشرة للاحتلال الإسرائيلي من سوريا؟

وفي هذا الجانب، يقول الدكتور نادر الخليل وهو باحث سياسي سوري لـ”وكالة أنباء تركيا”، إنه “منذ بدء الوجود العسكري الإيراني في سوريا، كان هذا التواجد خاضعًا لاستراتيجية دقيقة تهدف إلى احتواء إسرائيل بالتعاون مع روسيا ونظام الأسد، وكانت هذه الاستراتيجية تهدف إلى الحفاظ على نوع من التوازن الذي يمنع تصعيدًا مباشرًا مع إسرائيل”.

وأضاف “كان الوجود الإيراني في سوريا يمثل تهديدًا (مضبوط القواعد) بالنسبة لإسرائيل، وكان هذا التهديد جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز الدور الإيراني في المنطقة وتحقيق توازن قوى مع القوى الإقليمية والدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة”.

وتابع الخليل “على الرغم من التصريحات الإيرانية العدائية ضد إسرائيل، كانت طهران تدرك أن التصعيد المباشر قد يؤدي إلى مواجهة غير متوقعة تضر بمصالحها في المنطقة، لذلك، ركزت إيران على التهديد غير المباشر، باستخدام أذرعها العسكرية لتحقيق أوراق ضغط استراتيجية دون الانزلاق إلى حرب شاملة”.

وأشار إلى أن “إسرائيل اتبعت استراتيجية تقليص تأثير الوجود الإيراني في سوريا من خلال التنسيق مع روسيا، الحليف الأكبر لنظام الأسد، وكان هذا التنسيق يسمح لإسرائيل بتجنب التصعيد المباشر، حيث اقتصرت عملياتها العسكرية على استهداف الأهداف الإيرانية في سوريا بشكل دقيق ومدروس، ومن جانبها، استخدمت إيران سوريا كورقة ضغط ضد إسرائيل، ساعيةً إلى تحقيق تأثير سياسي وعسكري دون الدخول في حرب شاملة قد تعرض استقرارها الداخلي ومشروعها الإقليمي للخطر”.

وختم الخليل بالقول، إن “الوجود الإيراني في سوريا لم يكن تهديدًا مباشرًا لإسرائيل، بل كان جزءًا من استراتيجية أكثر تعقيدًا تهدف إلى تحقيق أوراق ضغط إيرانية في مفاوضاتها مع القوى الكبرى، وكانت الميليشيات الإيرانية تعمل ضمن هذا الإطار التفاوضي المعقد، رغم تصريحاتها العدائية ضد إسرائيل، ولم تكن تسعى إلى تصعيد الموقف إلى حرب شاملة”.

الاحتلال الإسرائيلي يقصف وإيران تتجنب الرد المباشر

وعلى مدار السنوات، نفذ الاحتلال الإسرائيلي مئات الغارات الجوية على أهداف إيرانية في سوريا، مستهدفا مواقع عسكرية ومستودعات أسلحة وخطوط إمداد تابعة لإيران بشكل مباشر.

ووفقًا لمركز “الدراسات الاستراتيجية والدولية” (CSIS)، نفذ الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 400 غارة بين 2013 و2023، أدت إلى تدمير قدرات عسكرية إيرانية كبيرة وقتل العشرات من عناصر الميليشيات الإيرانية، لكن اللافت أن إيران لم ترد ولو برصاصة واحدة من سوريا.

الباحث السياسي رشيد حوراني، يقول لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “المليشيات الإيرانية لم تواجه إسرائيل بشكل مباشر لأسباب استراتيجية متعددة، أولًا، تعتمد إيران على أذرع عربية في الدول التي تحاول مد نفوذها إليها، فتظهر إيران وكأنها تدعم (المقاومة) بينما تتراجع الدول العربية عن دعم القضية الفلسطينية أو تسعى للتطبيع مع إسرائيل”.

وتابع “أما السبب الثاني، فهو أن إيران تسعى إلى مد نفوذها الجيوسياسي في المنطقة العربية، باعتبارها امتدادًا جغرافيًا لإمبراطوريتها الفارسية القديمة، ولذلك، تحاول تقليل خسائرها عبر استخدام (القوة الناعمة) والغطاء المقاوم لتحقيق مشروعها الخاص، الذي لا يخدم القضية العربية ولا القضية الفلسطينية”.

وزاد قائلاً “في سياق آخر، يتضح أن الوجود الإيراني في الدول العربية، وخاصة سوريا، يأتي أيضًا كجزء من مواجهة المشروع التركي، حيث أن المشروع التركي يقوم على التكامل مع الدول العربية عبر الروابط التاريخية والثقافية والإنسانية، بينما المشروع الإيراني يقوم على إلغاء الهوية العربية، فالثقافة الفارسية تنظر إلى العرب على أنهم شعب غير قادر على بناء حضارة أو قيادة مشروع حضاري”.

أسباب استراتيجية: لماذا تتجنب إيران المواجهة؟

الحفاظ على نظام بشار الأسد كخط دفاع أول: حيث يرى المحللون أن إيران كانت تعتبر بقاء نظام الأسد أولوية تفوق أي مواجهة مباشرة مع إسرائيل، إذ أن فتح جبهة من سوريا قد يعرض النظام لضربات إسرائيلية مدمرة، وربما يؤدي إلى انهياره، ما يقطع خط الإمداد الحيوي بين طهران وحزب الله في لبنان، كما أن سوريا، بموقعها الجغرافي، تشكل “الجسر البري” الذي يربط إيران بجبهتها الأمامية في جنوب لبنان، وأي تصعيد قد يهدد هذا الممر.

ضعف القدرات العسكرية في سوريا: على الرغم من الحضور الكثيف، فإن الميليشيات الإيرانية في سوريا ليست مجهزة لخوض حرب شاملة مع الاحتلال الإسرائيلي، كما أن معظم هذه القوات تفتقر إلى الأسلحة الثقيلة أو الدفاعات الجوية المتطورة التي يمكن أن تقاوم القوة الجوية الإسرائيلية، إضافة إلى ذلك، تشتت هذه الميليشيات في مواجهة المعارضة السورية أضعف قدرتها على التركيز على جبهة خارجية.

ردع إسرائيلي ودعم أمريكي: الاحتلال الإسرائيلي، بدعم من الولايات المتحدة، أظهرت استعدادًا لتصعيد هجماتها إذا شعرت بتهديد مباشر، وفي 2018، هدد وزير تابع للاحتلال الإسرائيلي باغتيال الأسد إذا سمح لإيران بشن هجمات من سوريا، وهو تهديد يعكس خطوطًا حمراء واضحة، في حين أن إيران، التي تواجه عقوبات اقتصادية خانقة، لا ترغب في حرب مفتوحة قد تستنزف مواردها أكثر.

ضغوط روسية: روسيا، الحليف الآخر للأسد، لعبت دورًا في كبح جماح النشاط الإيراني ضد الاحتلال الإسرائيلي من سوريا، فموسكو، التي دخلت الحرب في 2015 لدعم الأسد، تسعى للحفاظ على الاستقرار وتجنب تصعيد يعطل خططها.

وتشير تقارير إلى أن روسيا ضغطت على إيران لتقليص عملياتها العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي، خاصة بعد توتر العلاقات بين موسكو والاحتلال الإسرائيلي عقب حرب أوكرانيا.

بعد سقوط الأسد: تغيير في المعادلة؟

مع سقوط نظام الأسد المخلوع في أواخر 2024، انسحبت الميليشيات الإيرانية تدريجيًا من سوريا، وفقًا لتقارير إعلامية، تاركة الساحة للمعارضة السورية التي تقودها إدارة العمليات العسكرية.

هذا الانسحاب عزز الانطباع أن إيران لم تكن مستعدة أو راغبة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي من سوريا، حتى في أحلك لحظات حليفها. بدلاً من ذلك، تحول خطاب طهران نحو “دعم الاستقرار” في سوريا الجديدة، مع تلميحات إلى تعاون مستقبلي مع الحكومة القادمة.

وفي هذا الجانب، قال مضر الأسعد، المتحدث باسم مجلس القبائل والعشائر السورية لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “المليشيات الإيرانية لم تطلق رصاصة واحدة ضد إسرائيل من سوريا، لأن مهمتها الأساسية منذ دخولها إلى سوريا كانت محاربة الشعب السوري والقضاء على الثورة السورية والمحافظة على نظام الأسد، حيث دخلت المليشيات الإيرانية والحرس الثوري السوري بموافقة إسرائيل وأمريكا، بشروط واضحة بعدم التعرض لإسرائيل أو الاقتراب من حدود الجولان المحتلة، وعدم تنفيذ أي عمل عسكري أو أمني ضدها”.

وتابع أن “مهمة إيران في سوريا كانت تدمير البلاد، القضاء على الثورة، مساعدة نظام الأسد، نشر الفتن والدسائس والإرهاب، بالإضافة إلى تنشيط تجارة الحشيش والسلاح، وتفتيت الشعب السوري، وبالفعل، نجحت إيران والمليشيات التابعة لها في تحقيق هذه الأهداف، حيث لم تستطع إسرائيل تحقيق ذلك بنفسها”.

وختم الأسعد بالقول إن “إيران بيضت وجه إسرائيل في سوريا والدول العربية، ودمرت سوريا تمامًا كما كانت إسرائيل ترغب بذلك”.

خطاب المقاومة الإيراني أم مصالح الواقع؟

المفارقة تكمن في أن إيران، التي طالما رفعت شعار “الموت لإسرائيل”، اختارت في سوريا استراتيجية الحفاظ على النفس بدلاً من المواجهة المباشرة، فالميليشيات الإيرانية، التي أُرسلت لدعم الأسد، كانت أداة لتثبيت النفوذ الإيراني في المنطقة وقتل السوريين، وليس لشن حرب على الاحتلال الإسرائيلي.

Exit mobile version