في ظل تصاعد التوترات الإقليمية الناجمة عن الصراع الأخير بين الاحتلال الإسرائيلي وإيران، برزت دولة قطر كلاعب دبلوماسي مركزي، حيث نجحت بفضل حنكتها السياسية وعلاقاتها المتوازنة في احتواء أزمة كادت أن تتحول إلى حرب إقليمية شاملة.
وتأتي هذه الجهود في سياق سجل طويل من الوساطات الناجحة التي قادتها الدوحة في أزمات معقدة، سواء في غزة أو بين إيران والولايات المتحدة أو حتى في نزاعات إفريقية.
وأسهمت الدبلوماسية القطرية، سواء الظاهرة أو الخفية، في إنقاذ المنطقة من تداعيات الحرب بين الطرفين، التي اندلعت مؤخراً، حيث استطاعت قطر توفير فرصة لحفظ ماء وجه إيران، وتسهيل خفض التصعيد لكل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعد فشلهما في تحقيق أهدافهما العسكرية بتدمير البرنامج النووي الإيراني.
ولم تقتصر الجهود القطرية على هذا الملف، بل امتدت لتشمل وساطات أخرى أثبتت فعاليتها في تعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي.
وساطة ناضجة في غزة وإيران
وقال الكاتب والمحلل السياسي ياسين النجار في حديث لـ “وكالة أنباء تركيا”، “في واحدة من أعقد اللحظات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، برزت الدوحة كلاعب دبلوماسي يصنع الفرق، لا مجرد شاهد على التحولات. فبين العدوان الإسرائيلي المتواصل على غزة والتصعيد العسكري الخطير بين طهران وتل أبيب، كانت قطر في قلب الحدث، تمارس دبلوماسية نشطة تجمع بين القرب من الأطراف المتنازعة والقدرة على بناء قنوات فعالة للحوار والتهدئة”.
وأضاف النجار “أولاً: غزة، الوساطة الثلاثية تبدأ من الدوحة، ففي ملف غزة، لعبت قطر دورًا جوهريًا ضمن وساطة ثلاثية بالتنسيق مع مصر والولايات المتحدة، ولم يكن هذا الدور مجرد جهد تقليدي للتهدئة، بل استند إلى ميزة استراتيجية فريدة: علاقتها المباشرة بقيادة حركة حماس، وقدرتها على فتح خطوط تفاوض معقدة في ظل ظروف ميدانية وإنسانية كارثية. قطر لم تكن مجرد ناقلة رسائل، بل كانت حاملة لمقترحات، ودافعة لمسار إنساني تفاوضي أنتج هدنات متكررة، وساعد في فتح معابر للإغاثة، وأوقف – مؤقتًا – آلة الحرب الإسرائيلية، وهذا الدور لم يكن ليتم لولا التنسيق الوثيق مع القاهرة وواشنطن، ما يعكس نموذجًا دبلوماسيًا يقوم على التكامل لا التنافس، ويعيد تعريف العمل العربي المشترك في الأزمات المعقدة”.
وتابع “ثانيًا: إيران وإسرائيل، الوسيط الذي منع الحرب، أما في المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل، والتي كادت أن تتحول إلى حرب إقليمية مفتوحة عقب القصف الأمريكي لمنشآت نووية إيرانية ورد الحرس الثوري باستهداف قاعدة العديد في قطر، فقد تحركت الدوحة بسرعة، وبطلب مباشر من واشنطن، فعّلت قنواتها مع طهران، وأقنعت القيادة الإيرانية بالتهدئة، وهذا التحرك لم يكن سهلاً، بل عكس وزنًا سياسيًا اكتسبته قطر خلال سنوات من التوازن في علاقاتها مع مختلف الأطراف، بما في ذلك الجمهورية الإسلامية، ما مكنها من لعب دور الحاجز بين التصعيد والانفجار، وبهذا، ساهمت بشكل فعّال في احتواء أزمة كان من الممكن أن تتدحرج نحو مواجهة دولية تتجاوز حدود الشرق الأوسط”.
تحديات وانتقادات وسط النجاحات
من جانبه، قال الصحفي اليمني صدام حريبي لـ “وكالة أنباء تركيا”، إنه “رغم اختلاف التقديرات حول نتائج التصعيد الأخير، إلا أنه لا يمكن إنكار أن قطر لعبت دورا دبلوماسياً فاعلاً في احتواء التوتر ودفعت ضريبة ذلك ثم تم استهداف أراضيها من قبل من مدت لهم يدها وأنقذتهم، لكن يبقى أن جذور الخطر كامنة في عدوانية إسرائيل وسلوك إيران الطائفي التوسعي، ولا بد من معالجة أصل المشكلة، لا الاكتفاء بإطفاء حرائقها”.
وكانت وزارة الخارجية القطرية وفي بيان رسمي، أدانت الهجوم الإسرائيلي على إيران، ووصفته بأنه “انتهاكا صارخا لسيادة إيران وأمنها، وخرقا واضحا لقواعد ومبادئ القانون الدولي.” وأكدت الوزارة التزام قطر بسياسة حسن الجوار والعلاقات السلمية مع جميع الدول على أساس الصداقة والمصلحة المشتركة.
وشدد الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع بدء التصعيد بين الاحتلال الإسرائيلي وإيران، على “ضرورة خفض التصعيد والتوصل لحلول دبلوماسية”.
وأعرب الرئيس ترامب عن “استعداده للمشاركة في مساعي حل الأزمة حفاظاً على الأمن والاستقرار الإقليمي”.
وأشاد ترامب في اتصال لاحق بأمير قطر، وفقاً لمصادر دبلوماسية، “بالدور القيادي لسمو الأمير”، مثمناً جهود قطر في “خفض التصعيد وإنهاء الأعمال العدائية بين إيران وإسرائيل، وإنقاذ أرواح كثيرة، وأن الجهود أسهمت في تفادي اندلاع حرب شاملة في المنطقة”.
سجل حافل بالوساطات الناجحة
ولم تقتصر الجهود القطرية على الأزمة بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، بل امتدت لتشمل نجاحات دبلوماسية أخرى، فقد قادت قطر وساطة ثلاثية مع مصر والولايات المتحدة في ملف غزة، أنتجت هدنات متكررة وفتح معابر للإغاثة.
كما نجحت في وساطة بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، وأخرى بين الكونغو ورواندا، حيث أفضت الوساطة القطرية-الأمريكية الأخيرة إلى توقيع اتفاقية سلام في البيت الأبيض قبل يومين، أنهت عقوداً من الصراع بين البلدين الإفريقيين.
وأكدت مصادر دبلوماسية أن “قطر ستظل كما كانت دائماً قاطرة للسلام وداعمة للدبلوماسية والحوار وضد التصعيد”، مشيرة إلى أن هذا النهج يعكس رؤية أمير قطر الشيخ تميم بن حمد في حل النزاعات بالطرق السلمية، رغم التحديات الأمنية التي واجهتها الدوحة، بما في ذلك استهداف أراضيها.
وأضافت المصادر أن “هذه المواقف الداعمة للحوار وخفض التصعيد هي ما يميز دور ومساعي سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد بممارسة دبلوماسية الوساطة والحوار وحل النزاعات بالطرق السلمية، برغم ما تعرضت له قطر من عدوان”.
دور الخليج في تعزيز الاستقرار
وأشارت مصادر إلى أن دول الخليج، بقيادة قطر، استطاعت بحنكة سياسية تجنب تقاطع النيران بين الاحتلال الإسرائيلي وإيران، مما أنقذ بلدانها وشعوبها من كارثة محققة.
وقد استنكرت هذه الدول العدوان على إيران، واصفة إياها بـ”الدولة الصديقة والشقيقة”، فيما كان للدبلوماسية القطرية دور أعمق في إطفاء الحريق.
وأكدت المصادر أن “هذا فعل العقلاء، أما كلام المهرجين فأمر آخر”، في إشارة إلى التصريحات المتشنجة التي لا تخدم الاستقرار الإقليمي. وتظل قطر، بقيادة سمو الأمير، ركيزة أساسية في تعزيز الحوار والسلام، مواصلة دورها كوسيط إقليمي مقبول من جميع أطراف الأزمة، مما يعزز مكانتها كقوة دبلوماسية فاعلة في المنطقة والعالم.
