تتسارع خطوات تركيا لترسيخ موقعها في سوق الصناعات الدفاعية العالمية، مدفوعة بتوسع إنتاج الطائرات المسيرة وتنوع منصاتها الجوية وارتفاع صادراتها العسكرية.
وفي أحدث مؤشر على هذا التحول، قال وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي محمد فاتح كاجر إن تركيا أصبحت تنتج اثنتين من كل ثلاث طائرات مسيرة عسكرية تُباع في العالم، مؤكداً في الوقت نفسه أن نسبة التصنيع المحلي في الصناعات الدفاعية التركية تجاوزت 80%.
وجاءت تصريحات كاجر خلال فعالية في ولاية قرقلار إيلي شمال غربي تركيا في 25 سبتمبر/أيلول 2026، حيث قال إن تركيا باتت قادرة على تلبية “جميع احتياجاتها الحيوية تقريباً” في مجال الصناعات الدفاعية بقدراتها الذاتية، مشيراً إلى امتداد الإنتاج المحلي من المركبات البرية والمنصات البحرية إلى الطائرات والأقمار الصناعية وأنظمة الأمن السيبراني.
ولا تعني عبارة “ثلثي سوق الطائرات المسيرة” بالضرورة أن الشركات التركية تسيطر على كامل سوق الطائرات المسيرة المدنية والعسكرية في العالم، إذ تشير الأدلة المستقلة المتاحة إلى تفوق تركيا بصورة خاصة في سوق الطائرات المسيرة العسكرية المسلحة، وهو قطاع شهد خلال السنوات الأخيرة توسعاً كبيراً لصالح أنقرة.
أرقام تعكس صعود أنقرة
يقدم تقرير مركز الأمن الأمريكي الجديد (CNAS) لعام 2024 أحد أبرز المؤشرات المستقلة على هذا التحول. فقد خلص التقرير، الذي يتتبع عمليات نقل الطائرات المسيرة العسكرية بين عامي 1995 وأيلول 2023، إلى أن تركيا تجاوزت الصين في عام 2021 وأصبحت أكبر مورد عالمي للطائرات المسيرة العسكرية.
وبحسب التقرير، نفذت الولايات المتحدة والصين وتركيا مجتمعة 69 عملية بيع لطائرات مسيرة عسكرية مسلحة إلى 40 دولة منذ عام 2018، واستحوذت تركيا على 65% من هذه المبيعات، مقابل 26% للصين و8% للولايات المتحدة.
كما أن الدول الست التي دخلت سوق شراء الطائرات المسيرة المسلحة للمرة الأولى عام 2022 حصلت جميعها على طائرات «بيرقدار TB2» التركية.
ويربط التقرير هذا الصعود بمجموعة عوامل، من بينها انخفاض التكلفة مقارنة ببعض الأنظمة الغربية، وسرعة التسليم، فضلاً عن الحضور العملياتي للطائرات التركية في نزاعات مثل ليبيا وحرب ناغورني قره باغ وأوكرانيا، وهو ما ساعد في زيادة الاهتمام الدولي بها.
وتشير هذه البيانات إلى أن تصريحات كاجر الأخيرة تأتي في سياق اتجاه مستمر، وإن كانت نسبة الـ65% الواردة في دراسة CNAS تختلف من حيث المنهج والفترة الزمنية عن نسبة «الثلثين» التي أعلنها الوزير التركي في سبتمبر 2026.
“بيرقدار” بوابة التوسع العالمي
في قلب هذا التحول تقف شركة “بايكار”، التي أصبحت أحد أبرز الأسماء التركية في سوق الطائرات المسيرة.
وأعلنت الشركة أن صادراتها من الطائرات المسيرة بلغت 2.2 مليار دولار خلال عام 2025، وأن 88% من إيراداتها الإجمالية البالغة 2.5 مليار دولار جاءت من الأسواق الخارجية.
وتقول “بايكار” إنها وقعت اتفاقيات تصدير مع 39 دولة، منها 36 دولة لطائرة “بيرقدار TB2” و16 دولة لطائرة “أقينجي”.
كما حافظت الشركة على موقعها كأكبر مصدر تركي للطائرات المسيرة خلال عدة سنوات متتالية.
ولم تعد المنافسة التركية مقتصرة على الطائرات المسيرة التقليدية المخصصة للاستطلاع والهجوم، إذ توسعت المنظومة لتشمل طائرات أكبر وأكثر قدرة، إلى جانب الطائرات المسيرة النفاثة والمقاتلة، في محاولة للانتقال من مرحلة امتلاك منصة ناجحة إلى بناء منظومة متكاملة للقتال الجوي غير المأهول.
ومن بين أبرز المشاريع في هذا المجال “أقينجي” و”قزل إيلما”، إضافة إلى منصات “أنكا” و”آق سونغور” التابعة لشركة الصناعات الجوية والفضائية التركية “توساش”.
وفي أيلول/سبتمبر 2026، واصلت تركيا اختبار قدرات جديدة للطائرات المسيرة، بينها دمج أسلحة مختلفة مع “أقينجي”، فيما أعلنت رئاسة الصناعات الدفاعية التركية استمرار اختبارات عدد من الأنظمة الجوية غير المأهولة، بما يعكس انتقال الصناعة من التركيز على الطائرة نفسها إلى تطوير منظومة متكاملة تشمل الذخائر وأجهزة الاستشعار والاتصالات والقيادة والسيطرة.
من الطائرة إلى منظومة القتال
ويعكس حديث كاجر عن أكثر من 80% من التصنيع المحلي تحولاً أوسع في الصناعة الدفاعية التركية.
فالهدف لم يعد إنتاج طائرات مسيرة ناجحة فحسب، بل بناء سلسلة توريد محلية تشمل المحركات والإلكترونيات والرادارات والبرمجيات والذخائر وأنظمة الاتصالات.
وتظهر الأرقام التجارية حجم هذا التوسع. فقد تجاوزت صادرات تركيا من الصناعات الدفاعية والطيران 10.05 مليارات دولار خلال عام 2025، بزيادة بلغت 48% على أساس سنوي.
وفي الأشهر السبعة الأولى من 2026، وصلت صادرات القطاع إلى 5.787 مليارات دولار، بزيادة 26.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
وبذلك أصبحت الطائرات المسيرة جزءاً من منظومة تصدير أوسع تضم المركبات المدرعة والسفن الحربية وأنظمة الدفاع الجوي والرادارات والصواريخ والطائرات المقاتلة والمروحيات.
“القبة الفولاذية”.. حماية المجال الجوي
وفي موازاة تطوير القدرات الهجومية، تعمل تركيا على بناء طبقات دفاعية لحماية مجالها الجوي. ويأتي مشروع “القبة الفولاذية” في مقدمة هذه المشاريع، باعتباره بنية دفاع جوي متكاملة تربط أنظمة مختلفة ضمن شبكة موحدة للقيادة والسيطرة.
وتشمل المنظومة أنظمة للتعامل مع التهديدات على ارتفاعات مختلفة، بينها الطائرات المسيرة والصواريخ والأهداف الجوية، إلى جانب الرادارات والحرب الإلكترونية وأنظمة الدفاع القريب.
وفي حزيران/يونيو 2026، وقعت شركة “أسيلسان” عقداً بقيمة 780 مليون يورو، أي نحو 905 ملايين دولار، مع رئاسة الصناعات الدفاعية لتوريد أنظمة دفاع جوي، في خطوة قالت الشركة إنها ستعزز قدرات “القبة الفولاذية”.
وهنا تظهر مفارقة التطور التركي: الدولة التي حققت اختراقاً كبيراً في إنتاج الطائرات المسيرة أصبحت تعمل في الوقت نفسه على تطوير الوسائل القادرة على اعتراض الطائرات المسيرة، بما فيها الأنظمة منخفضة الارتفاع والحرب الإلكترونية والأنظمة القريبة.
“قاآن”.. الطموح يتجاوز الطائرات المسيرة
ولا يتوقف المشروع التركي عند الطائرات غير المأهولة. فطائرة “قاآن” المقاتلة تمثل محاولة لبناء قدرة وطنية في مجال الطائرات المقاتلة المتقدمة.
وأجرت “قاآن” أول رحلة لها في شباط/فبراير2024، واستمرت الرحلة 13 دقيقة على ارتفاع بلغ 8 آلاف قدم، وفق معهد “توبيتاك” التركي.
وتقوم فلسفة المشروع على دمج أنظمة إلكترونيات طيران متقدمة وحواسيب عالية الأداء وشبكات اتصال ومعالجة للبيانات، إلى جانب تطوير قدرات قتالية لطائرة من الجيل الخامس.
وإذا نجحت تركيا في الانتقال من إنتاج الطائرات المسيرة إلى تطوير مقاتلات متقدمة، فإن ذلك سيعني توسيع نطاق استقلاليتها الصناعية من مجال الأنظمة غير المأهولة إلى الطيران القتالي المأهول.
قاعدة صناعية تتوسع خارج الحدود
هذا المسار يفسر أيضاً تنامي اهتمام الدول الأجنبية بالتعاون مع شركات الدفاع التركية.
ففي حزيران/يونيو 2026، حصل مشروع مشترك بين “بايكار” وشركة “ليوناردو” الإيطالية على موافقة مشروطة لإنشاء شراكة متساوية لإنتاج الطائرات المسيرة، في خطوة تستهدف تعزيز القدرات الأوروبية في هذا المجال وفتح المجال أمام التكنولوجيا التركية للوصول بصورة أوسع إلى السوق الأوروبية.
كما تشير بيانات رئاسة الصناعات الدفاعية التركية إلى توسع التعاون الدولي في مجالات الرادارات والدفاع الجوي والاتصالات والأنظمة غير المأهولة، وليس الطائرات المسيرة وحدها.
وهكذا، فإن صعود تركيا في سوق الطائرات المسيرة لا يرتبط بطائرة واحدة أو شركة واحدة، بل بمشروع صناعي أوسع يجمع بين الإنتاج المحلي والتصدير والبحث والتطوير وتكامل الأنظمة.
وتشير الأرقام المتاحة إلى أن أنقرة انتقلت خلال سنوات قليلة من موقع المستورد الكبير للمعدات الدفاعية إلى لاعب رئيسي في سوق تصدير الأنظمة العسكرية، فيما أصبحت الطائرات المسيرة رأس الحربة في هذا التحول.
وبينما تعكس نسبة الـ65% في بيانات CNAS حجم التقدم التركي في سوق الطائرات المسلحة خلال الفترة التي شملتها الدراسة، فإن إعلان كاجر الجديد عن بلوغ الحصة “ثلثي السوق” يقدم مؤشراً على أن تركيا ترى أن موقعها في هذا القطاع واصل التوسع بعد انتهاء الفترة الزمنية التي غطتها الدراسة المستقلة.
