أكدت خطبة الجمعة في عموم مساجد تركيا، اليوم، على أهمية الحفاظ على نعمة الماء وعدم الإسراف فيها، مشددةً على أن الماء ليس حقاً للإنسان فقط، بل هو حق لجميع المخلوقات وواجب على الجميع استخدامه بحكمة وعدل.
وركزت الخطبة على أن الإسراف في استهلاك الماء تعدٍ على حقوق الآخرين، ومخالفة لأمر الله الذي نهى عن الإسراف في كتابه الكريم.
وجاء في خطبة الجمعة:
إن الماء من أعظم النعم التي لا يُعرف قدرها إلا إذا فقدت، إنه من عند الله تعالى، ينزله من السماء طاهراً نقياً، وسيلةً للنظافة، ومصدر للرحمة والبركة.
وفي الآية الكريمة التي قرأتها في بداية خطبتي قال تعالى: “أَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ”، فنبّهنا الله عز وجل إلى أن الماء نعمة عظيمة منه، فلذلك يجب علينا أن نشكره عليها.
إن الماء ليس حاجة فردية فحسب، بل هو حق اجتماعي كذلك. لكل إنسان، بل لكل الكائنات الحية، حقاً في الحصول على ماء كافٍ وصحي. فبالماء يحيا الناس، وبالماء تروى عطش الحيوانات، وبالماء تُخضر الزروع والبساتين.
الماء ليس مورداً لا نهائيًا يمكن للإنسان استهلاكه كيفما شاء، إنه أمانة إلهية؛ لا تخصنا نحن فحسب، بل تشمل أيضاً الأجيال القادمة، ولذلك فإن استخدامه بحكمة واقتصاد، وحمايته، وتوزيعه بشكل عادل، هو واجب ديني وإنساني وأخلاقي على عاتقنا جميعاً.
أما الإسراف في استهلاك الماء فهو تعدٍ على حق كل مخلوق حي، وهو إسراف، وهو محرم، إذ يقول الله تعالى “وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”.
وجاء فيها أيضاً
إن استهلاك كميات كبيرة من الماء أكثر من الحاجة عند غسل اليدين، وتنظيف الأسنان، والحلق، والاستحمام، وغسل الخضروات والفواكه، كل ذلك إسراف.
وقد حذّرنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من هذا الأمر، حين رأى صحابياً يستخدم كمّاً كبيراً من الماء في الوضوء، فقال “لا تسرف في الماء، ولو كنت على نهر جارٍ”، ليوجه انتباهنا إلى أهمية التوفير حتى في الوضوء.
سواءً في المنزل أو الحديقة أو المزرعة أو العمل أو المدرسة أو في الشارع، فإن إهدار الماء دون حاجة، لأي سبب كان، هو إسراف، وعدم الالتزام بالوقت المخصص لري الأراضي، أو أخذ حق غيرك من الماء، أو الاستيلاء عليه بطرق غير مشروعة، كل ذلك تعدٍ على حقوق الناس، وهو معصية.
كما أن منع جيرانك من الوصول إلى الماء بسبب الاستخدام المفرط، تعدٍ على حقوقهم، ويُعد من الإثم.
كما أن تلويث مصادر المياه العذبة بفضلات صناعية سامة أو أسمدة كيميائية أو أدوية أو مخلفات، وإلقاء مياه الصرف الصحي دون معالجة في الأنهار والبحيرات والبحار، كل ذلك يهدد حياة الناس والكائنات الحية، وهو محرم.
لا يملك أحد أن يقول “لدي القدرة، فأنفق الماء كيفما أشاء، وأحفر الآبار كما يحلو لي”، لأن الماء ليست نعمة نحصل عليها بالقوة أو المال أو التكنولوجيا، بل هي مظهر من مظاهر رحمة الله.
فمن التكنولوجيا ما يُنزل الماء من السماء إذا لم يشأ الله؟ ومن القوة التي تحول دون اختفاء الماء في باطن الأرض إذا لم يرده الله؟ وقد قال تعالى في تحذير واضح “قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ”.
بسبب الجفاف والتلوث البيئي والاستهلاك غير الواعٍ، تتناقص مصادر المياه العذبة يوماً بعد يوم.
وفي مثل هذه الظروف، فإن واجبنا أن نتخذ الإجراءات اللازمة قبل أن تتحول أرضنا إلى صحارٍ، وتذبل أشجارنا، وتختفي مياهنا.
وواجبنا أن نستخدم ماءنا باعتدال وحكمة، وأن لا نسرف في قطرة واحدة منه، وأن لا نلوث مصادر المياه وبيئتها، وأن نساهم في زراعة الأشجار التي تحافظ على مصادر المياه، وأن ننشئ غابات جديدة، وأن نجهز أماكن وآنية للماء في الأيام الحارة لتسقي الحيوانات.
اللهم اجعل في جبالنا وودياننا وسهولنا وأراضينا القاحلة وفي جميع مناطقنا أمطاراً وافرة وبركة، ولا تُنقص من رحمتك في السماء، ولا من بركتك في الأرض.
وأكون دعائي في ختام كلمتي بما دعا به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو “الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا”.
