
في قلب التنافس الجيوسياسي المحتدم في جنوب القوقاز، يبرز مشروع ممر “زنغزور” باعتباره نقطة تحول استراتيجية قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة.
الممر، الذي أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أنه سيربط “العالم التركي” بأوروبا عبر الأراضي التركية، ليس مجرد مشروع لوجستي، بل مسار جديد للطاقة والتجارة يعيد وصل دول آسيا الوسطى وتركيا بأوروبا دون المرور عبر الأراضي الإيرانية أو الروسية.
الممر المقترح يمر عبر جنوب أرمينيا، ليربط أذربيجان بجمهورية نخجوان ذات الحكم الذاتي، ما يفتح طريقًا بريًا وسككيًا بين أوروبا وآسيا.
لكن هذا المشروع الذي تراه أنقرة فرصة لتعزيز التكامل الإقليمي، تراه طهران تهديدًا مباشرًا لمصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، بل وتصفه أنه “خط أحمر”.
تركيا تكسب وإيران تخسر
ورأى المحلل السياسي مهند حافظ أوغلو، أن “ممر زنغزور يتجاوز كونه مشروع بنية تحتية إلى كونه ساحة صراع على النفوذ بين قوى إقليمية كبرى”.
وأكد في تصريحات لـ “وكالة أنباء تركيا”، على أن “التفاهمات الأولى بين أرمينيا وأذربيجان كانت برعاية تركية، قبل أن تدخل الولايات المتحدة على الخط، فيما بقيت إيران وروسيا على هامش هذه الترتيبات رغم موقعهما الجغرافي المؤثر”.
وأضاف حافظ أوغلو أن “الممر الجديد سيحقق فوائد اقتصادية مباشرة لأذربيجان وأرمينيا وتركيا وحتى الولايات المتحدة، لكنه سيحرم إيران وروسيا من أي حصة من هذه العوائد، ما يعني خسارة مزدوجة: اقتصادية وسياسية”، مبينا أنه “بالنسبة لإيران، الأمر أخطر؛ إذ يفقدها جزءًا كبيرًا من نفوذها الجيوسياسي في القوقاز، في وقت تعاني فيه أصلًا من تراجع دورها في الشرق الأوسط”.
وشرح حافظ أوغلو أن جوهر الأزمة بالنسبة لطهران يكمن في طبيعة نظامها السياسي الديني المغلق، الذييفتقر إلى المرونة التي تتمتع بها أنقرة كدولة قومية حديثة قادرة على التكيف مع المتغيرات، حسبتعبيره.
وبيّن أن “تركيا تدار بعقلية الدولة القومية الاستراتيجية، وإيران بعقلية الملالي، والنتيجة واضحة: تركيا تكسب وإيران تخسر”، مشيرًا إلى أن “الممر سيعزز نفوذ تركيا في مقابل تقليص النفوذ الإيراني”.
الممر قديم لكنه الآن ورقة قوة
من جانبه، قدّم الصحفي الأذري روزوف أوغلو قراءة مغايرة تركز على تاريخ الممر، فهو ليس، كما يقول، مشروعًا جديدًا أو “ممرًا تركيًا” كما تصفه بعض وسائل الإعلام، بل ممر قائم منذ عهد الاتحاد السوفيتي، كان يُستخدم للتنقل بين أذربيجان وأرمينيا، وحتى مع منطقة ناغورنو قره باغ، حسب تعبيره.
وأعادت التطورات السياسية إحياء الممر ضمن اتفاقات سلام جديدة بين أذربيجان وأرمينيا، اتفاقات يعتبرها أوغلو مكسبًا مهمًا للسلام الإقليمي، حتى وإن جاءت بوساطة أمريكية.
وأكد أن “أذربيجان لا تسعى لطرد الأرمن، بل إلى التعايش المشترك، وأن نجاح هذا المشروع سيصب في مصلحة كل دول المنطقة، وفي مقدمتها تركيا”.
وشدد أوغلو على أن تركيا لعبت دورًا دبلوماسيًا مهمًا، وإن كان “في الخفاء”، في دفع أرمينيا للقبول بالتسوية، مستشهدًا بزيارة رئيس الوزراء الأرميني باشينيان لأنقرة ولقائه الرئيس أردوغان، وهذه التحركات، برأيه، تعكس تغيرًا في معادلات القوة، حيث تراجع النفوذ الروسي في القوقاز الجنوبي إلى حد كبير، فيما برزت تركيا كفاعل رئيسي، وفق قوله.
إيران بين “الخط الأحمر” والمصالح الاقتصادية
وذهب أوغلو أبعد في تشخيص الموقف الإيراني، معتبرًا أن “طهران تخشى الممر لثلاثة أسباب: أولًا، خشيتها من تنامي النزعة القومية لدى أكثر من 20 مليون أذري يعيشون داخل إيران، ثانيًا خسارتها دورها كممر تجاري رئيسي بين الشرق والغرب، وثالثًا فقدان نفوذها على أرمينيا التي كانت تعتمد جزئيًا على الدعم الإيراني لكسر عزلتها”.
وأضاف أن “الممر سيغلق فعليًا الطريق الإيراني نحو أوروبا عبر جورجيا وأرمينيا، ما يدفع طهران إلى استخدام خطاب متشدد وتهديدات عسكرية”، محذرا من أن أي محاولة إيرانية لتعطيل المشروع ستواجه برد تركي أذري مدعوم دوليًا، ما يجعل خيار التصعيد محفوفًا بالمخاطر بالنسبة لطهران.
تحول استراتيجي في جنوب القوقاز
الباحث السوري إبراهيم خولاني رأى أن “ممر زنغزور يمثل تحولًا جيوسياسيًا في جنوب القوقاز، حيث يسهم في ربط دول العالم التركي ضمن شبكة متكاملة متصلة بأوروبا”، وهذا الربط، وفق خولاني، لا يقتصر على البعد التجاري أو اللوجستي، بل يحمل أبعادًا استراتيجية تتعلق بفتح ممرات بديلة للطاقة والتجارة من آسيا الوسطى بعيدًا عن الطرق التي تمر عبر روسيا أو إيران.
وأشار خولاني إلى أن “رفض إيران للمشروع يرتكز على إدراكها أن الممر يهمش دورها في الربط بين الشرق والغرب، ويقلص قدرتها على التأثير في أرمينيا، فضلًا عن مخاوفها من أن يؤدي التعاون التركي الأذري إلى إحياء النزعات القومية لدى أذريي إيران”.
كما يربط الموقف الإيراني بمخاوف أوسع من تقاطع مصالح المشروع مع أهداف أمريكية وإسرائيلية تهدف لتقليص نفوذ طهران في المنطقة، حسب تعبيره.تراجع الدور الروسي وتبدل خرائط النفوذ
ووسط كل ذلك، فإن الممر لا يمكن فصله عن التغيرات الجيوسياسية الأوسع في القوقاز، فروسيا التي كانت لعقود اللاعب المهيمن على المنطقة، تجد نفسها اليوم أمام انكماش واضح في نفوذها، في ظل رغبة أرمينيا وأذربيجان في تنويع تحالفاتهما والابتعاد عن الهيمنة الروسية.
وهذا الفراغ، برأي الخبراء، ملأته تركيا بسرعة من خلال دعم أذربيجان عسكريًا ودبلوماسيًا، وتحويل اتفاقات السلام إلى أدوات لزيادة نفوذها الإقليمي.
جسر للتكامل أم بؤرة صراع؟
مشروع ممر زنغزور، الذي يراه أنصاره شريانًا للتكامل الإقليمي ومفتاحًا للسلام في جنوب القوقاز، يعتبره خصومه تهديدًا صريحًا لمصالحهم ونفوذهم. وبينما تمضي تركيا وأذربيجان، بدعم دولي، في خطوات تنفيذه، تلوح إيران بخيارات التصعيد، وسط تراجع قدرة روسيا على لعب دور الموازن التقليدي.







