أكدت خطبة الجمعة التي أُلقيت في المساجد التركية، اليوم، على أن العبادة ليست مجرد طقوس دينية، بل هي سكينة للروح وركيزة أساسية لتماسك المجتمع وطمأنينته، مشددةً على أن غاية خلق الإنسان هي عبادة الله وحده، وأن الحياة كلها يمكن أن تتحول إلى عبادة إذا قُصد بها وجه الله.
وأشارت الخطبة إلى أن العبادة تُشكل اللبنة الأولى في بناء الشخصية المسلمة، وتزكية النفس، وترسيخ الأخلاق الحسنة، كما أنها وسيلة للنقاء الروحي، والانضباط الزمني، ونشر روح التكافل والتعاون في المجتمع.
ولفتت إلى ضرورة ترسيخ حب الله والانتماء للدين في نفوس الأجيال منذ الصغر، محذرةً من البحث عن الطمأنينة في معتقدات دخيلة أو ثقافات غريبة عن الهوية الإسلامية، مؤكدةً أن “السعادة الحقيقية لا تنال إلا بذكر الله وعبادته بإخلاص”.
كما تطرقت الخطبة إلى أهمية الالتزام بالصلوات المفروضة، وتشجيع الأسرة على ارتياد المساجد، باعتبارها مراكز للسكينة والوحدة الوطنية، ونبهت من خطورة إهمال العبادة وراء سباق وسائل اللهو والطمع في الدنيا.
وفي ختام المقدمة، أشارت الخطبة إلى الذكرى التاريخية المباركة لفتح ملازكرد، داعيةً للشهداء والمجاهدين بالرحمة والمغفرة، ومتمنيةً للأمة الإسلامية العزّة والوحدة على درب العقيدة والعبادة.
وفي ما يلي الخطبة كاملة:
افتتحت الخطبة بهذه الآية الكريمة التي يقول فيها ربنا جل وعلا “واعبد ربك حتى يأتيك اليقين”، وفي الحديث الشريف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهم وأن يدخلهم جنته” .
العبادة أمر الإسلام، وشعار المسلم، ومظهر الإيمان في الحياة، هي تعبير عن خضوعنا لربنا، وشكرنا له، وحبنا له.
العبادة هي أوثق صلة بين العبد وربه، وهي الطريق الأجمل الذي يوصل إلى رضا الله ورحمته ومحبته.
هي التي تبني شخصية الإنسان، وتزكي روحه، وتجمل أخلاقه، وتمنح قلبه نورا وروحه سكينة.
وقال تعالى “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، فالعبادة غاية وجودنا، وواجب عبوديتنا لله سبحانه.
ليست العبادات تكليفا يرهقنا، بل هي محنة إلهية عظيمة، فهي تعلمنا الصبر، وتنظم أوقاتنا، وتطهر نفوسنا من البخل، وتغرس فينا روح العطاء والتكافل، وهي التي توطد روابط الأخوة، وتعزز وعي الأمة، وتجعلنا نافعين لأسرنا ومجتمعنا.
ديننا يأمرنا أن نحيا حياتنا كلها بروح العبادة، وقال تعالى “قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين”، فالسعي في طلب الرزق الحلال، والقيام بحقوق الأهل، والصدق في المعاملات، والبعد عن الربا والغش والاحتكار، وصيانة الحقوق الخاصة والعامة، كلها عبادات إذا أديت بإخلاص.
وجاء في الخطبة أيضا:
لا يتصور من المسلم أن يهمل أركان دينه ويستمد السلوى أو الطمأنينة من معتقدات وعبادات باطلة.
إن السعادة الحقيقية والطمأنينة الصادقة لا تنال إلا بعبادة الله بإخلاص وصدق.
قال تعالى “ألا بذكر الله تطمئن القلوب”، فإن لم نغرس في قلوب أبنائنا حب الله، وعشق العبادة، ونملأ صدورهم بالعلم والإيمان، فسيبحثون – مع الأسف – عن السلوى والطمأنينة في معتقدات وثقافات دخيلة.
تمتلئ مساجدنا يوم الجمعة عن آخرها والحمد لله، فلنول الصلوات المفروضة التي تنهانا عن الفحشاء والمنكر وتوصلنا إلى الخيرات، نفس القدر من الاهتمام.
ولنقف صفا واحدا كتفا بكتف في مساجدنا، التي هي رمز السكينة الاجتماعية، والسلام، والأخوة. ولنكن هناك مع أسرنا، ولنعود أبناءنا على المساجد بالكلمة الطيبة والقول الحسن.
ولا ننس أننا لم نخلق في هذه الدنيا من أجل جمع الأموال فحسب، أو طلب المناصب والمكانة، أو قضاء العمر في اللهو واللعب.
بدون العبادة لا يكتمل إيماننا، ولا تزداد أرزاقنا بركة، ولا يسود بيتنا سكينة. الذي يجعل حياتنا ذات معنى هو عباداتنا المتوجة بالأخلاق الحسنة.
والذي يرفع قدرنا عند الله سبحانه وتعالى هو هذا بعينه. وقد جاء تحذير الحق جل وعلا واضحا جليا “قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم”.
إننا نعيش في هذه الأيام الأخيرة من شهر أغسطس، ذكرى أيام عزيزة خالدة، أيام حقق فيها أجدادنا العظام الذين اشتعلت قلوبهم حبا لإعلاء كلمة الله، انتصارات عظيمة وفتوحات مباركة في سبيل الوطن والمقدسات.
وقد جعلت أمتنا العزيزة، التي تسلمت راية الإسلام، من الأناضول وطنا لنا بفتح ملازكرد المجيد.
وبهذه المناسبة أتوجه بالدعاء إلى المولى عز وجل أن يتغمد برحمته الواسعة شهداءنا الأبرار الذين بذلوا أرواحهم في سبيل القيم المقدسة، وأن يرحم أبطالنا من الغزاة والمجاهدين الذين رحلوا إلى جواره.
