في السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات التركية العربية تحوّلات جذرية باتجاه الانفتاح وتحسين العلاقات، حيث لم يقتصر هذا التحسن على المصالح الثنائية بين تركيا والدول العربية، بل امتد ليترك انعكاسات مباشرة على الساحة الإقليمية، وعلى رأسها الاحتلال الإسرائيلي.
ويرى محللون أن التقارب العربي التركي بدأ يفرض معادلات جديدة، وهو قادر على تضييق هامش المناورة لدى الاحتلال الإسرائيلي في قضايا حساسة، سواء على مستوى التطبيع، أو الملف الفلسطيني، أو المعادلات الأمنية والاقتصادية في المنطقة.
إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية
المحلل السياسي إبراهيم قيسون أوضح في تصريحات لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن “العلاقات العربية التركية مرت خلال السنوات الأخيرة بمرحلة من الانفراج التدريجي، بعد فترة طويلة من التباين”.
وقال إن “لهذا التقارب انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على إسرائيل يمكن تلخيصها بعدة نقاط هي:
إضعاف سياسة فرّق تسد: لطالما اعتمد الاحتلال الإسرائيلي على سياسة استغلال التناقضات الإقليمية، فاستفاد من التباين بين تركيا ومصر، أو تركيا وبعض دول الخليج، لتعزيز موقعه الاستراتيجي وتوسيع خياراته السياسية، إلا أن تحسن العلاقات العربية التركية قلّص من قدرة إسرائيل على استثمار هذه التناقضات لصالحها.
تقييد مسارات التطبيع: إسرائيل كانت تراهن على استمرار التباعد العربي التركي لتسهيل دخولها إلى المنطقة عبر اتفاقيات تطبيع منفصلة مع بعض الدول العربية، بعيداً عن تركيا، ومع تقارب أنقرة والعواصم العربية، تقلّصت فرص إسرائيل في تحقيق اختراقات أحادية الجانب في ملف التطبيع”.
انعكاسات على القضية الفلسطينية: تركيا تواصل رفع مستوى خطابها السياسي الداعم للقضية الفلسطينية، ومع تحسّن علاقاتها مع الدول العربية، بات من المرجح أن يتشكل موقف منسق وأكثر تماسكا يضيّق الخناق على إسرائيل، سواء في ما يتعلق بملف غزة، أو القدس، أو حتى في المحافل الدولية.
المعادلات الأمنية والعسكرية: التعاون التركي العربي، سواء في المجال الاقتصادي أو الأمني أو الصناعات الدفاعية، قد يسهم في خلق توازنات إقليمية جديدة تحدّ من التفوق الاستراتيجي لإسرائيل، أو على الأقل تدفعها إلى مزيد من الحذر في تحركاتها.
البُعد الاقتصادي والطاقة: تركيا تسعى إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي للطاقة، ومع تعميق تعاونها مع الدول العربية المنتجة للنفط والغاز، قد يتراجع دور إسرائيل في مشاريع الغاز بشرق المتوسط، وهو ما يضعف رهاناتها على استخدام الطاقة كأداة لتعزيز نفوذها الإقليمي”.
مأزق إسرائيلي مع سقوط الأسد
من جانبه، أشار الباحث السياسي رشيد حوراني في تصريحات لـ “وكالة أنباء تركيا”، إلى أن “الاحتلال الإسرائيلي يجد نفسه أمام موقف معقد يتجاوز حدود العلاقات العربية التركية”.
واعتبر أن “سقوط نظام الأسد المخلوع مثّل نقطة تحول أساسية، حيث كان الأسد يبتز الدول العربية بشعار المقاومة، كما ابتز تركيا عبر ملف (قسد)، وتحالف مع إيران بطريقة جعلت أمن المنطقة مهدداً بالكامل، لكن مع سقوطه، ووجود توافق نسبي بين العرب وتركيا على رفض سياساته، باتت إسرائيل أمام خطر حقيقي”.
وأوضح حوراني أن “إسرائيل باتت تخشى من استمرار تحسن العلاقات العربية التركية وتطورها، لأن ذلك قد ينعكس على طريقة التعامل معها بشكل مباشر، خصوصاً أنها لا تزال ترفض حل الدولتين، ما يجعلها في مواجهة دبلوماسية وسياسية متصاعدة”.
ضغوط داخلية وخارجية متزامنة
وأضاف حوراني أن “هذه التحولات الإقليمية تتزامن مع تراجع الدور الإسرائيلي على المستوى الدولي، وتنامي موجات مناهضة السياسات الإسرائيلية في عدد من دول الاتحاد الأوروبي، وهذا يعقّد حسابات تل أبيب التي كانت تسعى لتعويض خسائرها الإقليمية عبر توثيق علاقاتها مع الغرب”.
وأشار أيضاً إلى أن “هناك رغبة مشتركة لدى العرب وتركيا في استقرار سوريا وإنهاء حالة الفوضى التي تهدد أمن المنطقة، وهو ما لا يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية التي طالما سعت إلى إبقاء سوريا ضعيفة وممزقة”.
تقارب يقلق الاحتلال الإسرائيلي
يؤكد محللون أن مجمل هذه التطورات جعلت الاحتلال الإسرائيلي أكثر حذراً في سياساتها الإقليمية، فالمعادلة لم تعد كما في السابق، حين كانت تستفيد من تصدع الموقف العربي وغياب التنسيق مع تركيا.
واليوم، ومع تقارب الموقفين العربي والتركي، يجد الاحتلال الإسرائيلي نفسه أمام بيئة إقليمية أقل ملاءمة لمصالحه، وأكثر ميلاً إلى فرض ضغوط سياسية ودبلوماسية عليه.
ووسط كل ذلك، يمكن القول إن تحسن العلاقات العربية التركية لا يشكل مجرد تطور ثنائي بين تركيا والدول العربية، بل يعكس تحوّلاً أوسع في ميزان القوى الإقليمي.
فالتقارب يعيد تشكيل خريطة التحالفات ويضيّق الخناق على الاحتلال الإسرائيلي في ملفات التطبيع، والقضية الفلسطينية، والمعادلات الأمنية والاقتصادية.
وبحسب المراقبين، فإن استمرار هذا النهج قد يدفع الاحتلال الإسرائيلي إلى مراجعة حساباتها الاستراتيجية، وربما البحث عن صيغ جديدة للتعامل مع واقع إقليمي يتغير بسرعة.
وفي ظل تصاعد الضغوط الدولية، وتنامي الرفض الشعبي والرسمي لسياساته، يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي سيواجه مرحلة أكثر صعوبة في محيطه الجغرافي القريب، خصوصاً إذا ترسخ التعاون العربي التركي بشكل أعمق وأوسع.
