الحماقة الاستراتيجية.. ضرب مقر “حماس” في قطر وتوجس الحلفاء (مقال)

يوم 9 أيلول/سبتمبر 2025، شهدت الدوحة ضربة عسكرية إسرائيلية بالطائرات على مقر قيادات حركة حماس وبدعم أمريكي، وقدمت الضربة للمشهد العالمي مفارقةً صادمة: الولايات المتحدة تُغرق نفسها في حرب جانبية جديدة، بينما يتقدم منافسوها بخطى ثابتة نحو الهيمنة. هذا الحدث ليس مجرد عملية عسكرية، بل هو تعبير صارخ عن التخبط الاستراتيجي الأمريكي الذي يُحيد القوة العظمى عن مسارها، ويُضيع عليها فرص المنافسة الحقيقية.

ضرب الحليف… من أجل من؟

إن قرار ضرب أهداف على أرض قطر، الحليف الاستراتيجي الذي يستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط (قاعدة العديد)، يُعد حماقةً لا يمكن تبريرها. فبدلاً من تعزيز تحالفاتها في منطقة مضطربة، تُقدم واشنطن على عمل عسكري يُقوض ثقة حلفائها، ويُظهر للعالم أنها مستعدة للتضحية بأصدقائها لإرضاء ربيبتها إسرائيل. هذا الفعل لن ينهي أزمة غزة وتورط الجيش الإسرائيلي فيها، بل سيُعمق العداوات، ويدفع بقطر نحو إعادة النظر في علاقاتها، وربما الاقتراب أكثر من محور مضاد يضم روسيا والصين.

حروب جانبية ودروس لم تُتعلم

إن عملية 9 سبتمبر 2025 في قطر ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من القرارات الاستراتيجية الخاطئة. فبينما كان العالم يترقب عودة أمريكا إلى التفكير الاستراتيجي “الليبرالي” بدلا من الواقعي “المكيافلي” بعد مغامراتها في العراق وأفغانستان، استمرت واشنطن في إهدار مواردها. ولقد أدت عقوباتها القاسية على فنزويلا، تحت شعار “نشر الديمقراطية”، إلى انهيار اقتصادها دون إسقاط نظامها، مما دفع كاراكاس نحو أحضان بكين وموسكو، التي أصبحت الآن شريكها التجاري الأبرز.

وعلى الجانب الآخر، تُظهر الأزمة في أوكرانيا كيف أن الانشغال المُفرط بصراع إقليمي، رغم أهميته، يُشتت الانتباه عن المنافس الأكبر. فبينما تُغدق واشنطن المساعدات العسكرية على كييف، تستغل الصين هذا الانشغال لتعزيز مشروع “طريق الحرير” الاقتصادي العالمي، وتُحكم قبضتها على ممرات التجارة، وتستثمر بمليارات الدولارات في تقنيات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل الخامس.

الصين تفوز بماراثون التنمية

إن الصين لم تُسقط الولايات المتحدة في معركة عسكرية، بل تفوقت عليها في “ماراثون التنمية”. فبينما تُنفق أمريكا تريليونات الدولارات على حروب لا نهاية لها، تُوظف الصين أموالها في بناء البنية التحتية، وتطوير تكنولوجيات المستقبل، والسيطرة على سلاسل الإمداد العالمية. هذا النهج يعكس عقلانية استراتيجية، تُدرك أن القوة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين تكمن في الاقتصاد والابتكار، وليس في إطلاق القنابل على الأصدقاء والخصوم على حد سواء.
.
الولايات المتحدة الأمريكية، التي فقدت مصداقيتها في العالم الإسلامي بسبب دعمها غير المشروط لإسرائيل، تجد نفسها اليوم في عزلة متزايدة. إن قرار ضرب قطر يُؤكد أن واشنطن لم تتعلم من دروس الماضي، وأنها ما زالت تُفضل ردود الأفعال العنيفة على التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.

توجس الحلفاء: نهاية عصر الثقة المطلقة

إن هذا التخبط الأمريكي المتزايد، والذي تجسده حماقة ضرب حليف في الدوحة، لم يعد مجرد خطأ تكتيكي عابر، بل هو إنذار صريح لحلفائها بأن زمن الاعتماد المطلق قد ولى. إن دولاً محورية مثل تركيا وباكستان ومصر والأردن باتت تتوجس من هذه السياسة، وتُدرك أن أمنها واستقرارها لا يمكن أن يظلا رهينة لقرارات متقلبة. هذه الدول مدعوة اليوم إلى إعادة التموضع، والتأهب لما هو أبعد من المعاهدات والابتسامات أمام الكاميرات، والسير في مسارات تخدم مصالحها العليا. فالولايات المتحدة، التي اختارت أن تُغرق نفسها في حروب لا طائل منها، قد تستيقظ يوماً لتجد أنها قد خسرت أهم حروبها، دون أن تُطلق رصاصة واحدة على منافسيها الحقيقيين، وإنها نجحت في صناعة مصطلح جديد في علم العلاقات الدولية “الحماقة الاستراتيجية”.الحماقة الاستراتيجية: ضرب مقر حماس وتوجس الحلفاء

Exit mobile version