تقاريرهام

أردوغان.. ثبات الموقف تجاه فلسطين على منابر الأمم المتحدة منذ سنوات (تقرير)

على مدى سنوات طويلة، شكّل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان واحداً من أبرز الأصوات العالمية الداعمة للقضية الفلسطينية، محوّلاً منابر الأمم المتحدة إلى منصة لتجديد هذا الموقف الثابت أمام المجتمع الدولي.

ولم تكن خطاباته مجرد مواقف عابرة، بل حملت رسائل صريحة وناقدة للاحتلال الإسرائيلي، ومؤكدة على حقوق الشعب الفلسطيني، مع إيلاء اهتمام خاص للقدس ومكانتها الدينية والسياسية.

هذا الحضور المتكرر، وما رافقه من مواقف حادة، جعل من أردوغان شخصية مثيرة للجدل في الساحة الدولية، بين من يراه مدافعاً مبدئياً عن حقوق الفلسطينيين، ومن يعتبر خطابه جزءاً من براغماتية سياسية تسعى لتعزيز صورة تركيا كقوة إقليمية وصوت مؤثر للعالم الإسلامي.

صبر استراتيجي ثم ردع محتمل

الباحث الفلسطيني محمد القيق رأى أن سياسة أردوغان تجاه فلسطين لم تكن وليدة اللحظة، بل ثمرة ما وصفه بـ”الصبر الاستراتيجي” الذي انتهجته أنقرة طوال الأعوام الماضية.

وأوضح في حديث لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن “الرئيس التركي لم يتعامل مع القضية الفلسطينية بعاطفة متسرعة، بل ببراغماتية تراعي توازنات معقدة مرتبطة بعضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وعلاقاتها مع أوروبا والشرق الأوسط، إضافة إلى جذورها التاريخية المرتبطة بالحكم العثماني لفلسطين”.

وأضاف القيق أن “السنوات السابقة لم تسمح لتركيا بتبني مواقف أكثر حدة تجاه إسرائيل، إذ لم يكن هناك مشهد دولي معادٍ لها بالقدر الكافي، كما أن حالة التطبيع العربي مع تل أبيب حالت دون أي تدخل مباشر، لكن التطورات الأخيرة – وفق قوله – قلبت الموازين، فالمجازر في غزة، وتصاعد حالة النفور الشعبي والدولي من إسرائيل، وانهيار ما كان يُعرف بـ”الردع الإسرائيلي”، كلها عوامل جعلت تركيا أكثر استعداداً للتحرك”.

وأشار القيق إلى أن “أردوغان نفسه تحدث مؤخراً عن الانتقال من مرحلة (الصبر الاستراتيجي) إلى (الردع الاستراتيجي)”، مؤكداً أن “تركيا بدأت بالفعل في الإعداد لتطوير قدرات صاروخية متقدمة، في إشارة واضحة إلى أن تركيا تسعى لترجمة خطابها السياسي إلى أدوات ردع عملية على الأرض”.

خطاب متكرر ورسائل صارمة

من جانبه، أكد المحلل السياسي إبراهيم قيسون أن أردوغان لم يتردد على مدار أعوام في استخدام منابر الأمم المتحدة كساحة لإعلان دعمه الثابت لفلسطين. فكل خطاباته في الجمعية العامة تقريباً حملت دعوات صريحة لإحقاق حقوق الشعب الفلسطيني، ورفض السياسات الإسرائيلية، مع التركيز بشكل خاص على مكانة القدس.

وأوضح قيسون في حديث لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن “هذا الموقف يعكس رؤية تركيا لدورها الإقليمي ومساعيها لتعزيز مكانتها كمدافع عن قضايا العالم الإسلامي”.

وتابع “ورغم أن علاقاتها مع إسرائيل شهدت مراحل من التذبذب، إلا أن أردوغان حافظ على لهجة شديدة النقد تجاه ممارساتها، خاصة خلال الحروب على غزة وما وصفه بحرب الإبادة الجارية اليوم”.

وبينما يرى بعض المراقبين أن خطاب أردوغان يعبر عن التزام إنساني ومبدئي، يعتبره آخرون جزءاً من سياسة براغماتية تستهدف تعزيز صورة تركيا عالمياً.

لكن قيسون شدد على أن “المؤكد هو أن حضور أردوغان في الأمم المتحدة منح القضية الفلسطينية زخماً متجدداً، وذكّر العالم باستمرار بأنها قضية مركزية في الشرق الأوسط لا يمكن تجاوزها”.

تحولات إقليمية تخدم الموقف التركي

التطورات الأخيرة في المنطقة، من الحرب في غزة إلى التصعيد الإسرائيلي ضد دول عربية مثل لبنان وقطر وسوريا واليمن، ساهمت – وفق رأي القيق – في خلق بيئة تخدم الموقف التركي.

فالاحتلال الإسرائيلي، الذي طالما روّج لرواية التفوق والردع، تعرضت لهزة كبيرة بعد السابع من أكتوبر وما تلاه من حرب مع إيران واشتباكات متصاعدة على أكثر من جبهة.

كل هذه التطورات، بحسب القيق، عززت منطق أردوغان القائم على التدرج الاستراتيجي، بحيث بات قادراً اليوم على الاقتراب أكثر من سياسة ردع إسرائيل، بعدما كانت تركيا في الماضي محكومة بتوازنات إقليمية ودولية معقدة حالت دون ذلك.

بين المبادئ والبراغماتية

يثير حضور أردوغان في الأمم المتحدة نقاشاً واسعاً حول حقيقة دوافعه: هل هو التزام مبدئي نابع من قناعة تاريخية ودينية وسياسية بضرورة الدفاع عن فلسطين؟ أم أنه جزء من سياسة خارجية براغماتية توظف القضية لتعزيز مكانة تركيا دولياً؟

ويشير مراقبون إلى أن تاريخ أردوغان الطويل في تبني خطاب داعم لفلسطين، منذ حادثة “أسطول الحرية” وحتى اليوم، ويرون أن موقفه يعكس قناعة راسخة.

ومع ذلك، فإن الأثر العملي لخطابات أردوغان لا يمكن إنكاره، إذ شكّلت مناسبة لتجديد تسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين، في وقت تسعى فيه أطراف دولية إلى تهميش قضيتهم أو دفعها نحو التسوية وفق الرؤية الإسرائيلية.

ووسط كل ذلك، فإن أردوغان نجح في تحويل منابر الأمم المتحدة إلى ساحة متجددة لتذكير العالم بأن فلسطين ما تزال قضية حية، وأن القدس تحتل مكانة مركزية في الوعي الإسلامي والعالمي.

وبينما تراكم تركيا ما تسميه “الصبر الاستراتيجي”، تلوح في الأفق ملامح انتقال نحو “الردع الاستراتيجي”، بما يعني أن الموقف التركي قد يشهد في السنوات المقبلة تحولات نوعية تجعل من دعمه لفلسطين أكثر تأثيراً وفاعلية على أرض الواقع، وليس فقط في الخطاب السياسي.

 

زر الذهاب إلى الأعلى