تقاريرسياسةهام

من الوساطة إلى المشاركة الميدانية.. دور تركي محوري بخطة السلام الخاصة بقطاع غزة (تقرير)

مع اقتراب موعد الإعلان الرسمي عن خطة السلام الخاصة بقطاع غزة، تتجه الأنظار إلى أنقرة التي برزت في الأشهر الأخيرة كأحد أبرز الفاعلين الإقليميين والدوليين في مسار التهدئة، عبر تحركات سياسية ودبلوماسية مكثفة قادها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

فمنذ اندلاع العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، لم تكتفِ تركيا بإدانة العنف والدعوة إلى وقف إطلاق النار، بل تحركت على عدة محاور، شملت اتصالات سياسية رفيعة المستوى، وتنسيقًا مع دول عربية وغربية، وسعيًا للانخراط في تنفيذ بنود خطة السلام التي يُنتظر أن تنهي سنوات من الحصار والمعاناة في القطاع.

وساطة متعددة المسارات

الكاتب والمحلل السياسي ربيع الشعار أكد في حديث لـ “وكالة أنباء تركيا”، أنّ “تركيا لعبت دورًا مركزيًا في التوصل إلى خطة السلام، سواء عبر التدخل المباشر من الرئيس أردوغان لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإقناع الحكومة الإسرائيلية المتطرفة بقبول الخطة، أو من خلال الضمانات التي قدمتها أنقرة بشأن التزام حركة حماس بتنفيذ ما يقع على عاتقها من تعهدات لإنجاح الاتفاق”.

وقال الشعار، إن “تركيا لم تكتفِ بالدور السياسي التقليدي، بل كانت مستعدة للمساهمة ميدانيًا على الأرض في غزة، من خلال إدارة المعابر والمشاركة في قوة سلام دولية لضمان الأمن وإعادة الإعمار”.

وأوضح أن “الموقف التركي جاء منسجمًا مع سياستها الخارجية الجديدة القائمة على الدبلوماسية الفاعلة والانتقال من مجرد وسيط سياسي إلى شريك عملي في تحقيق الاستقرار الإقليمي”، مشيرًا إلى أن “هذه المقاربة منحت تركيا ثقة الأطراف المتنازعة وأكسبتها دورًا محوريًا في صياغة ملامح ما بعد الحرب في غزة”.

التجربة والخبرة التركية في الوساطة

أما المحلل السياسي مالك عبيد، فقد أشار إلى أن “لتركيا سجلًا طويلًا في الوساطة بين أطراف النزاعات”، مستشهدًا بـ”تجارب سابقة مثل دورها في أفغانستان، ووساطتها بين روسيا وأوكرانيا، ومشاركتها في ملفات إقليمية أخرى شهدت تعقيدات مشابهة”.

وقال عبيد في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “تركيا تمتلك خبرة سياسية واسعة في إدارة الحروب والنزاعات، وقد أثبتت قدرتها على الجمع بين الأطراف المتصارعة للوصول إلى حلول واقعية، بفضل علاقاتها المتوازنة مع جميع القوى الدولية والإقليمية”.

وأضاف أنه “في الملف الفلسطيني، كان لأنقرة دور استخباراتي محوري بالتعاون مع قطر ومصر، ساهم بشكل كبير في التوصل إلى تفاهمات لوقف الحرب، وهو ما أثنى عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرًا، مشيرًا إلى الجهود التركية في تسهيل التوصل إلى اتفاق نهائي يضمن الأمن لإسرائيل والكرامة والسيادة للفلسطينيين”.

قوة حفظ السلام ودور ميداني مرتقب

وحسب عبيد، فإنّ “تصريحات الرئيس أردوغان حول استعداد تركيا للمشاركة بقوات حفظ سلام في قطاع غزة، تشكّل تحولًا نوعيًا في الموقف التركي، الذي لم يعد يقتصر على الدبلوماسية التقليدية، بل بات يشمل المشاركة المباشرة في مراقبة تنفيذ الاتفاق وضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع”.

ويشير إلى أن “هذه الخطوة تؤكد الثقة الدولية بالدور التركي، خصوصًا بعد أن أبدت أنقرة استعدادها للتعاون مع الأمم المتحدة والدول المشاركة في قوة السلام، لضمان الأمن في غزة ومنع تجدد المواجهات”.

كما أوضح عبيد أن “مشاركة تركيا المتوقعة في عملية إعادة الإعمار تأتي استكمالًا لسياستها الإنسانية الداعمة للفلسطينيين منذ سنوات”، مشيرًا إلى أنّ “أنقرة كانت من أوائل الدول التي أرسلت مساعدات عاجلة إلى غزة عبر أسطول بحري مخصص للمساعدات الإنسانية، بالتنسيق مع الأسطول الإسباني وعدد من الدول الأوروبية، لتخفيف المعاناة عن الأهالي المحاصرين”.

زيارة مرتقبة ومساعدات إنسانية واسعة

وكشف عبيد أن “الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعتزم زيارة قطاع غزة عقب توقيع الاتفاق، في خطوة رمزية تعكس دعم تركيا للشعب الفلسطيني، ومتابعتها الميدانية لتنفيذ خطة السلام”.

وقال إن “الزيارة المنتظرة تحمل أبعادًا سياسية وإنسانية، فهي رسالة تأكيد على التزام تركيا بموقفها التاريخي تجاه فلسطين، واستعدادها لقيادة مرحلة جديدة من الشراكة الدولية في إعادة إعمار القطاع”.

وتشير مصادر تركية إلى أنّ أنقرة جهزت خطة متكاملة للمساعدات الإنسانية تشمل إرسال فرق طبية ومعدات لإعادة تشغيل المستشفيات المدمرة، إضافة إلى إطلاق مشاريع إسكان عاجلة، بالتعاون مع منظمات الإغاثة الدولية.

خطة متوازنة ومصالح متقاطعة

ويرى مراقبون أن الدور التركي في خطة السلام لا ينفصل عن رؤية أوسع لسياساتها في الشرق الأوسط، حيث تسعى أنقرة إلى استعادة نفوذها في الملفات الإقليمية الحساسة، عبر مقاربة توازن بين مصالحها السياسية والاقتصادية، وبين دعمها للقضايا الإنسانية.

فتركيا، بحسب الشعار “تدرك أن نجاحها في غزة سيعزز مكانتها كلاعب دولي قادر على إنتاج حلول وسط، خصوصًا في منطقة تعاني من الانقسامات الحادة والتنافس بين القوى الإقليمية”.

ويضيف أن “الخطة التي جرى التوصل إليها بجهود متعددة، بينها الدور التركي، لا يمكن فصلها عن تطورات الميدان والسياسة في آنٍ واحد، فأنقرة قدمت ضمانات ملموسة لحسن تنفيذ الاتفاق، مستفيدة من علاقاتها المتينة مع الجانب الفلسطيني، ومن موقعها كعضو فاعل في حلف الناتو وشريك مقبول لدى واشنطن”.

من السياسة إلى إعادة الإعمار

ويؤكد خبراء أنّ مساهمة تركيا في إعادة إعمار غزة قد تكون إحدى أبرز أدواتها لترسيخ حضورها في المنطقة. فأنقرة تمتلك خبرة فنية وهندسية واسعة، وشركات إنشائية عاملة في مشاريع كبرى داخل الشرق الأوسط، ما يؤهلها للعب دور مركزي في إعادة بناء ما دمرته الحرب.

كما أنّ الجانب الإنساني، المتمثل في إرسال المساعدات والإشراف على المعابر، ينسجم مع الخطاب السياسي التركي الذي يربط دائمًا بين السلام والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ويقول الشعار في هذا السياق إنّ “النجاح في إعادة إعمار غزة سيعني نجاح تركيا في اختبار القيادة الإقليمية الجديدة التي تعتمد على الجمع بين القوة الناعمة والدبلوماسية الذكية”.

تركيا على خط السلام الدائم

تبدو تركيا اليوم في موقع متقدم ضمن الدول الراعية لخطة السلام الخاصة بغزة، بما تحمله من أوراق قوة دبلوماسية واقتصادية وإنسانية. فبينما تستعد الأطراف للتوقيع على الاتفاق النهائي، تواصل تركيا تكثيف اتصالاتها لتأمين مرحلة ما بعد الحرب، وضمان تطبيق البنود المتفق عليها دون انتكاسات.

وفي ضوء التحركات الجارية، يبدو أن الدور التركي لن يكون عابرًا، بل مرشحًا لأن يتطور إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد في إدارة الملف الفلسطيني، لتتحول تركيا من مجرد وسيط في النزاعات إلى أحد صُنّاع السلام في المنطقة، ضمن رؤية تتجاوز حدود غزة إلى آفاق شرق أوسط أكثر استقرارًا وتعاونًا.

 

زر الذهاب إلى الأعلى