
مع إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، برعاية مصرية – قطرية – تركية، دخلت المنطقة مرحلة سياسية جديدة عنوانها الأساس “ما بعد العدوان الإسرائيلي”.
وجاءت قمة شرم الشيخ لتترجم هذا الاتفاق سياسيًا وتضع ملامح اليوم التالي لغزة، وسط تساؤلات واسعة: هل ستكون القمة نقطة مفصلية تُعيد رسم خريطة الشرق الأوسط؟
القمة رسخت أن الشرق الأوسط يمكن أن يكون آمنًا بقرار من شعوبه
في قراءة شاملة لمخرجات القمة، تقول الدكتورة شاهيناز العقباوي، خبيرة الشؤون الإقليمية في مؤسسة الأهرام بالقاهرة في حديثها لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن ما حدث في شرم الشيخ “رسّخ فكرة أساسية طالما غابت عن الذهن الدولي، وهي أن منطقة الشرق الأوسط ليست دائمًا منطقة صراع، بل يمكن أن تكون من أكثر مناطق العالم أمنًا إذا قررت شعوبها ذلك”.
وأضافت العقباوي “الدليل الواضح هو اجتماع القادة بهذه السرعة في لحظة فاصلة، لا تفصلهم عن أحداث الحروب المتعددة في المنطقة سوى ساعات قليلة من إعلان وقف الحرب، ومع ذلك حضرت القمة أكثر من عشرين دولة، ما يعني أن الرغبة في جعل الشرق الأوسط آمنًا لم تعد حلمًا بل قرارًا”.
وترى الخبيرة المصرية أن “الأهم الآن هو حرص الوسطاء على الإسراع في تنفيذ بنود الاتفاق”، مشيرة إلى وجود “أصوات داخل الحكومة الإسرائيلية تسعى للانقلاب على الاتفاق، وهو أمر ليس غريبًا عن تاريخ المفاوضات الإسرائيلية”، إلا أن دخول الرئيس الأمريكي على الخط، وتعهدات الوسطاء الإقليميين – من مصر وتركيا وقطر – “تشكل عائقًا حقيقيًا أمام أي محاولة لإفشاله”.
وتضيف العقباوي أن قمة شرم الشيخ شكلت نقطة فاصلة في المشهد الإقليمي، لأنها – بحسب تعبيرها – “رسخت لإرادة الشعوب ورغبتها في تحقيق السلام، فمشاركة هذا العدد من القادة بهذه السرعة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة ضغوط الشارع العالمي، وخشية الحكومات من أن تتفاقم الأحداث بعد الإعلان عن تحركات مدنية وإنسانية مثل أسطول الحرية الثالث واتساع رقعة المشاركة الشعبية”.
وترى العقباوي أن المرحلة المقبلة ستشهد سلسلة لقاءات لاستكمال بنود الاتفاق، تتصدرها أولويات إنسانية عاجلة: إدخال المساعدات الطبية والغذائية، وفتح المجال أمام الوفود الطبية للدخول إلى غزة، إلى جانب التحضير لملف إعادة الإعمار. وتتابع “الرئيس ترامب أشار سابقًا إلى حصوله على وعود من دول غنية بالمشاركة في إعادة إعمار غزة، وهذا أمر مهم للغاية، لأن العامل الاقتصادي سيكون محور الاستقرار في المرحلة المقبلة”.
القمة ترجمة سياسية للاتفاق الميداني وبداية مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا
من جهتها، ترى الكاتبة والمحللة السياسية تمارا حديد أن اتفاق وقف إطلاق النار لا يمثل نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا تتعلق بالوضع الإنساني وإعادة الإعمار.
وتوضح حديد في حديثها لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن الأولوية القصوى في المرحلة الراهنة “ستكون لإدخال المساعدات وبدء إعادة الإعمار تحت إشراف دولي – غالبًا مصري، قطري، تركي، وأممي – مع الحديث عن إنشاء صندوق دولي لإعمار غزة”.
كما تشير إلى أن الاحتلال الإسرائيلي “سيسعى إلى فرض آلية رقابة أمنية على المعابر والحدود لمنع إعادة تسلّح حماس، في حين ستحاول الحركة الحفاظ على وجودها الأمني الداخلي لضمان استمرار نفوذها”.
وتتوقع حديد أن تلعب القاهرة دورًا مركزيًا في المرحلة المقبلة، قائلة “قد تقوم مصر بعقد مؤتمر للحوار الفلسطيني الشامل من أجل إعادة توحيد المؤسسات بين غزة والضفة، وهو ما قد يمهد لتشكيل إدارة انتقالية تشارك فيها السلطة الفلسطينية وجهات عربية مثل مصر وقطر”.
وترى حديد أن قمة شرم الشيخ مثلت الترجمة السياسية لاتفاق وقف النار الميداني، وأنها جاءت لصياغة “رؤية لما بعد الحرب” تشمل إطلاق مسار سياسي جديد يُعرف إعلاميًا بـ “خطة اليوم التالي لغزة”، بهدف بناء سلطة مدنية فلسطينية موسعة ودمج غزة والضفة في إطار سياسي واحد.
كما تؤكد الكاتبة أن أحد أهداف القمة “ترسيخ السلام كما يريده الرئيس ترامب”، وتهيئة الأرضية لتطبيع أو تنسيق إقليمي أوسع يشمل إسرائيل ودولًا عربية، مضيفة أن القمة “شكلت محطة تأسيسية لإعادة ترتيب النظام الإقليمي حول القضية الفلسطينية، لأنها أنهت أطول عدوان على غزة وفتحت الباب أمام ترتيبات جديدة تشارك فيها واشنطن والقاهرة والدوحة وأنقرة”.
وتختم حديد بقولها “قمة شرم الشيخ وضعت قواعد جديدة للتعامل مع غزة، لا عودة إلى الفوضى، وربما كانت البداية الفعلية لخطة سياسية طويلة المدى تُعيد تعريف العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين في مرحلة ما بعد العدوان”.
بين الميدان والسياسة: هل تؤسس القمة لنظام إقليمي جديد؟
وفقًا لمصادر دولية، فإن اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته القاهرة والدوحة وواشنطن نصّ على وقف شامل للعمليات، وتبادل للأسرى، وتسهيل دخول المساعدات، مع التزام الأطراف بمفاوضات متابعة حول الإعمار والإدارة المدنية في غزة. ووفق موقع Time وReuters، فإن قمة شرم الشيخ هدفت إلى تثبيت هذا الاتفاق وإطلاق خطة “السلام والازدهار” التي تضمن آليات رقابة أمنية متعددة الأطراف، ومشاركة دولية في إعادة الإعمار.
لكن بين التفاؤل والواقع، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تكون قمة شرم الشيخ لحظة تأسيس حقيقية لشرق أوسط جديد، أم مجرّد محطة رمزية في سجل الاتفاقات المؤجلة؟
الإجابة، كما ترى العقباوي وحديد، ستُحسم على الأرض لا في البيانات: فنجاح الاتفاق مرهون بسرعة التنفيذ واستقرار الأوضاع، ومصداقيته تتوقف على التزام الأطراف بوقف النار الفعلي وبدء إعادة الإعمار، بينما مصيره السياسي مرهون بإرادة الشعوب وضغط الرأي العام الذي بات، كما تقول العقباوي، “صانع القرار الحقيقي في المنطقة”.







