تقاريرهام

جولة أردوغان الخليجية.. شراكات تركية عربية استراتيجية نحو شرق أوسط مزدهر (تقرير)

اختتم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في الثالث والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2025، جولة خليجية شملت الكويت وقطر وسلطنة عُمان، حملت في طياتها دلالات سياسية واقتصادية عميقة تتجاوز الطابع البروتوكولي للزيارات الرسمية.

وخلال ثلاثة أيام فقط، أبرمت تركيا مع الدول الثلاثة 24 اتفاقية ومذكرة تفاهم وبيانًا مشتركًا، شملت مجالات التجارة، والطاقة، والصناعات الدفاعية، والنقل، والتعليم، والإعلام، والتكنولوجيا، في خطوة تعكس رؤية أنقرة لتعزيز حضورها في منظومة الخليج وتوسيع مجال نفوذها الإقليمي في الشرق الأوسط المتحوّل.

الكويت: مدخل لتعزيز الثقة والتعاون البحري والطاقة

استهلّ الرئيس أردوغان جولته من الكويت، حيث استُقبل في قصر بيان من قبل أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح بمراسم رسمية عكست دفء العلاقات بين البلدين.

وشهد اللقاء، وفق بيان الرئاسة التركية، بحث الملفات الثنائية والإقليمية والدولية، مع تركيز خاص على الأوضاع في غزة وسوريا.

وأكد أردوغان خلال المباحثات أهمية الحفاظ على وقف إطلاق النار في غزة، مشدداً على أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق سلام دائم في المنطقة.

كما أعرب عن “رغبة تركيا في التعاون مع الدول العربية لبناء مستقبل مشرق للشعب السوري”.

وفي ختام الزيارة إلى الكويت، تم توقيع أربع اتفاقيات بين أنقرة والكويت شملت مجالات النقل البحري والطاقة والاستثمار المباشر والاعتراف المتبادل بشهادات البحارة، في خطوة تهدف إلى تطوير البنية القانونية للعلاقات الاقتصادية.

ولم تخلُ الزيارة من رمزية خاصة، إذ أهدى الرئيس التركي نظيره الكويتي سيارة كهربائية من طراز “توغ” محلية الصنع، في إشارة إلى انفتاح تركيا على تصدير تقنياتها الحديثة إلى الخليج ضمن استراتيجيتها لتعزيز الصناعات الوطنية.

ويرى مراقبون أن الكويت تمثل في السياسة التركية بوابة توازن واستقرار، فالعلاقات بين البلدين اتسمت تاريخياً بالهدوء والتدرج، غير أن زيارة أردوغان الأخيرة أسست، وفق محللين، لمرحلة جديدة عنوانها “التحول من التعاون الاقتصادي إلى الشراكة الأمنية والسياسية المتكاملة”.

قطر: تحالف استراتيجي يرسخ الاستقرار الإقليمي

من الكويت، انتقل أردوغان إلى العاصمة القطرية الدوحة حيث كان في استقباله أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بمراسم رسمية.

وخلال اللقاءات الثنائية، جدد الزعيمان تأكيدهما على عمق العلاقات بين البلدين، التي توصف في الأوساط الدبلوماسية بأنها “شراكة تحالفية” تتجاوز حدود التعاون التقليدي، إذ تشمل مجالات الدفاع والطاقة والاستثمار والإنشاءات والمساعدات الإنسانية.

وترأس الجانبان الاجتماع الحادي عشر للجنة الاستراتيجية العليا التركية القطرية، والذي خلص إلى توقيع عدد من الاتفاقيات، أبرزها مذكرة تفاهم في مجالات التخطيط التنموي الاستراتيجي، والصناعات الدفاعية، والتجارة والاستثمار، والتعاون الوزاري المشترك.

وأكد أردوغان من الدوحة أن “العلاقات مع قطر تسير في مسار ممتاز على جميع الصعد”، مشدداً أن “الشراكة بين البلدين تمثل ركيزة للاستقرار الإقليمي والدولي، خصوصاً في ظل التطورات التي تشهدها غزة وسوريا”.

وتعد العلاقة بين أنقرة والدوحة نموذجاً فريداً في المنطقة، إذ جمعت بين الدعم السياسي المتبادل والتعاون الاقتصادي العميق. فمنذ توقيع اتفاق الدفاع المشترك عام 2014، وتأسيس القاعدة العسكرية التركية في قطر عام 2017، ارتفع مستوى التنسيق الأمني إلى مستويات غير مسبوقة، فيما تجاوز عدد الاتفاقيات الثنائية 117 اتفاقية.

ويرى الكاتب التركي توران قشلاقجي أن “التحالف التركي القطري لم يعد مجرد علاقة مصالح، بل أصبح علاقة مصير مشترك”، في ظل انسجام الرؤى حول ملفات غزة وسوريا ومناهضة سياسات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.

وفي الجانب الاقتصادي، شهدت زيارة أردوغان إلى الدوحة توقيع مذكرة تفاهم بين وزيري التجارة التركي والقطري لتسريع مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين تركيا ومجلس التعاون الخليجي، والتي تشمل إلى جانب تجارة السلع والخدمات مجالات الاستثمار والتجارة الرقمية. وتهدف الاتفاقية إلى رفع حجم التبادل التجاري مع دول المجلس إلى أكثر من 15 مليار دولار سنوياً.

عُمان: الدبلوماسية الهادئة ومجلس تنسيق جديد

المحطة الأخيرة في الجولة كانت سلطنة عُمان، التي استقبل سلطانها هيثم بن طارق الرئيس أردوغان في قصر العلم بمراسم رسمية مهيبة تبعتها مأدبة عشاء رسمية.

وتعتبر الزيارة هي الأولى رسمياً لأردوغان إلى مسقط كرئيس للجمهورية، ما منحها بعداً خاصاً في سياق تطوير العلاقات بين البلدين.

وقد ناقش الجانبان ملفات التعاون الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي، إلى جانب القضايا الإقليمية الملتهبة وعلى رأسها الوضع في غزة وسوريا واليمن.

وأشاد أردوغان بجهود مسقط في الوساطة والحوار الإقليمي، مؤكداً تطابق مواقف البلدين حيال القضية الفلسطينية.

وأشار إلى أن تركيا وسلطنة عُمان ستعملان معاً لدعم حل الدولتين في غزة.

وأسفرت الزيارة عن توقيع سلسلة اتفاقيات نوعية، من أبرزها إنشاء مجلس تنسيقي مشترك بين حكومتي البلدين، واتفاق على إعفاء متبادَل من تأشيرات الدخول لحملة الجوازات العادية، إضافة إلى مذكرات تفاهم في مجالات التعدين، والصناعات الدفاعية، والإعلام، والتكنولوجيا، والتعليم، والمنافسة ومنع الاحتكار.

كما تم توقيع اتفاقية تعاون استراتيجي بين صندوق الثروة السيادية التركي وجهاز الاستثمارات العُماني، في خطوة تهدف إلى استقطاب الاستثمارات المتبادلة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتعليم.

ووفقاً لوزارة التجارة التركية، فإن الشركات التركية نفذت في دول الخليج حتى الآن أكثر من 315 مشروعاً بقيمة 37.5 مليار دولار، منها مشاريع ضخمة في السلطنة بمجالات المقاولات والطاقة والنقل.

الاقتصاد في صميم الجولة: نحو شراكة خليجية شاملة

رافَق الرئيس أردوغان في جولته وزير التجارة عمر بولات، الذي أكد في تصريحات لاحقة أن الهدف من الزيارات هو “نقل العلاقات الاقتصادية والتجارية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية”.

وأشار بولات إلى أن الزيارة فتحت آفاقاً جديدة لرفع حجم التبادل التجاري مع كل من الكويت وقطر وسلطنة عُمان إلى 5 مليارات دولار لكل دولة، بما يسهم في رفع إجمالي التبادل التجاري الخليجي التركي إلى 15 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.

وتسعى أنقرة عبر هذه الشراكات إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي في مشاريع التنمية والبنية التحتية والطاقة المتجددة، لاسيما أن خطط التنمية في الكويت (رؤية 2035) وقطر (رؤية 2030) وعُمان (رؤية 2040) توفر فرصاً كبيرة للشركات التركية في مجالات المقاولات والتكنولوجيا والتعليم.

كما تناولت المباحثات التعاون في مشروع “طريق التنمية” الذي يربط الخليج بتركيا وأوروبا، إلى جانب إعادة إعمار سوريا، وهي ملفات ذات بعد استراتيجي طويل المدى.

البعد السياسي والاستراتيجي: من الاقتصاد إلى الأمن الإقليمي

يرى محللون أتراك وخليجيون أن جولة أردوغان جاءت في لحظة حساسة تشهد فيها المنطقة تحولات كبرى: من وقف إطلاق النار الهش في غزة، إلى التوتر في لبنان واليمن، وتراجع الدور الأمريكي التقليدي في الخليج.

وبذلك، فإن تركيا تسعى من خلال هذه الجولة إلى توسيع تواجدها في “الفراغ الاستراتيجي” الذي خلّفه الانكفاء الأمريكي، عبر بناء منظومة تعاون أمني واقتصادي جديدة مع دول الخليج، تستند إلى المصالح المتبادلة والاستقلالية عن الاستقطابات الدولية.

ويشير الكاتب توران قشلاقجي في مقاله بصحيفة “القدس العربي” إلى أن هذه الجولة “تمثل خطوة في إعادة تعريف الرؤية الإقليمية لتركيا”، موضحاً أن “أنقرة لم تعد تنظر إلى الخليج كشريك تجاري بعيد، بل كجغرافيا أمنية مشتركة في توازنات الشرق الأوسط الجديد”.

ويضيف أن “التحركات التركية الخليجية تعبّر عن سعي مشترك لبناء منظومة إقليمية مستقلة عن المحاور الدولية، قائمة على الثقة والاحترام المتبادل”.

من جهة أخرى، يرى مراقبون أن التكامل التركي الخليجي في الملفات الدفاعية والأمنية سيواجه اعتراضات من بعض القوى الإقليمية، وعلى رأسها إسرائيل، التي تنظر بريبة إلى أي تقارب تركي قطري في ملف غزة أو سوريا، غير أن استمرار التعاون المشترك قد يشكل، بحسب محللين، جداراً دبلوماسياً واقتصادياً في وجه مشاريع الهيمنة الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة.

تحولات في معادلات الشرق الأوسط

تدل نتائج الجولة على أن أنقرة تتحرك وفق رؤية جديدة لموقعها في الشرق الأوسط، قائمة على تعدد الأقطاب والشراكات المتوازنة.

فمع تراجع الضمانات الأمريكية التقليدية وازدياد تعقيد المشهد الإقليمي، تبدو تركيا ودول الخليج مدفوعتين إلى توثيق تعاونٍ استراتيجي يحقق مصالحهما المشتركة ويؤسس لاستقلالية القرار الإقليمي.

وتختتم وزارة التجارة التركية بيانها عن الجولة بعبارة لافتة “نستمد قوتنا من العلاقات الوثيقة بين قادة دولنا، ونسعى لترجمة هذا التقارب السياسي إلى تعاون اقتصادي شامل ينعكس إيجاباً على شعوب منطقتنا بأسرها”.

تلك العبارة تختصر، بحسب المراقبين، جوهر الدبلوماسية التركية الجديدة التي تمزج بين السياسة والاقتصاد والأمن في إطار رؤية شاملة لتوازن إقليمي جديد، قوامه الشراكة لا التبعية، والتعاون لا الصراع.

دبلوماسية متعددة المسارات

بكل المقاييس، تمثل الجولة الخليجية الأخيرة لأردوغان أكثر من مجرد حدث سياسي عابر. فهي رسالة استراتيجية إلى المنطقة والعالم بأن تركيا تسعى لترسيخ حضورها كلاعب رئيس في معادلات الشرق الأوسط، من خلال شبكة علاقات متوازنة تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط.

وفي الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن شرق أوسط جديد، تبدو أنقرة ودول الخليج، من الكويت إلى الدوحة ومسقط، تنسج خيوط مرحلة جديدة عنوانها الشراكة والتكامل وبناء توازن إقليمي متعدد الأقطاب.

زر الذهاب إلى الأعلى