تقاريرمميز

قطر في قلب الجهود الدولية لإنهاء الكارثة الإنسانية في السودان (تقرير)

في ظلّ تصاعد الأزمة الإنسانية في السودان واتساع رقعة النزوح من مناطق الصراع، تتكثف الجهود القطرية لتقديم استجابة عاجلة وشاملة للمحتاجين، في خطوة تعكس حضوراً إنسانياً متواصلاً ودوراً إقليمياً فاعلاً في التخفيف من معاناة المدنيين. وعلى امتداد الأسابيع الماضية، تحوّلت الولاية الشمالية، وتحديداً مدينة الدبة ومجمع العفاض، إلى نقطة محورية للبرامج الإغاثية التي أطلقتها الدوحة عبر مؤسساتها الإنسانية والتنموية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من تفاقم أكبر أزمة إنسانية يشهدها العالم حالياً.

ومنذ الأيام الأولى لنزوح عشرات الآلاف من ولايتي شمال دارفور وكردفان نتيجة الاشتباكات العنيفة، استجاب الهلال الأحمر القطري لنداء مفوضية العون الإنساني، وبدأ بتنفيذ تدخلات عاجلة في مدينة الدبة، حيث استقر ما يقدر بنحو 95 ألف نازح.

هذه الاستجابة، التي شملت إطلاق عيادة متنقلة داخل مجمع العفاض، جاءت لتسدّ فجوة كبيرة في الخدمات الطبية التي افتقدها النازحون بعد رحلة نزوح شاقة ومليئة بالمخاطر.

العيادة المتنقلة، التي بدأ تشغيلها بكادر طبي مكوّن من أطباء وممرضين وقابلات نازحين من مدينة الفاشر، تُعدّ واحدة من أهم الركائز الصحية في المنطقة حالياً، فقد صُممت لتكون مركزاً طبياً متكاملاً يقدم الرعاية الصحية الأولية، والخدمات الإسعافية، والفحوصات المخبرية، وصرف الأدوية، مع توفير نظام إحالة مباشر إلى مستشفى الدبة للحالات التي تحتاج تدخلاً متقدماً.

وقد جرى اختيار موقع العيادة في نقطة مركزية داخل المجمع، بما يضمن وصولاً سهلاً لآلاف النساء والأطفال الذين يشكلون غالبية النازحين.

وزارة الصحة في الولاية الشمالية ثمّنت هذه الخطوة، مؤكدة أنها تعكس تعاوناً عملياً لتعزيز الاستجابة الصحية في منطقة ترزح تحت ضغط إنساني غير مسبوق.

وتأتي هذه المبادرة في إطار خطة أوسع للهلال الأحمر القطري تشمل تقديم خدمات إنسانية وتنموية بالتنسيق مع جهات محلية ودولية، بما يتوافق مع المعايير الإنسانية المعتمدة.

ومع مطلع تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، توسعت الاستجابة القطرية بإرسال مساعدات إغاثية عاجلة إلى مدينة الدبة، في تحرك جديد يعكس التزام الدوحة المستمر بدعم الشعب السوداني.

ووفقاً لوكالة الأنباء القطرية، شملت المساعدات نحو ثلاثة آلاف سلة غذائية، و1650 خيمة إيواء، ومستلزمات أساسية أخرى مقدمة من صندوق قطر للتنمية وقطر الخيرية، في حين قدّرت الجهات المشرفة أن هذه المساعدات ستغطي احتياجات أكثر من 50 ألف شخص.

ولضمان إدارة فعالة لعمليات التوزيع، أنشئ مخيم يحمل اسم “قطر الخير” ليكون مركزاً لتنسيق وصول الإغاثة إلى المحتاجين.

ويأتي هذا التحرك في وقتٍ فرّ فيه أكثر من 65 ألف شخص من مدينة الفاشر وحدها خلال الأسابيع الأخيرة، بينما لا يزال عشرات الآلاف محاصرين في ظروف إنسانية صعبة ونقص حاد في الغذاء والإيواء، بحسب تقارير الأمم المتحدة.

على المستوى السياسي، لم تتوقف الدوحة عند حدود الدعم الإنساني، بل رافقت ذلك بمواقف دبلوماسية واضحة تدعو إلى إنهاء الصراع والحفاظ على وحدة السودان، فقد دعا أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى ضرورة الإسراع في التوصل إلى تسوية سياسية شاملة توقف الحرب الدائرة وتحفظ سيادة البلاد.

وخلال كلمته في القمة العالمية للتنمية الاجتماعية، أعرب عن أسفه لما تشهده مدينة الفاشر من “فظائع مروعة”، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته العاجلة لحماية المدنيين.

وشدّد أمير قطر على أن التنمية لا يمكن أن تتحقق دون سلام، وأن تحقيق الاستقرار يمثل شرطاً أساسياً لازدهار الشعوب.

وترافق هذا الموقف مع إدانة واضحة للانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر، بما فيها الجرائم التي وثقتها منظمات دولية خلال الأشهر الأخيرة.

وتتجاوز المواقف القطرية حدود الإدانة إلى دعم الجهود الدولية والإقليمية الرامية لإنهاء الصراع.

ففي الدوحة، عقد السفير السوداني بدر الدين عبد الله أحمد مؤتمراً صحافياً دعا فيه إلى تصنيف مليشيا الدعم السريع منظمة إرهابية، مؤكداً أن الجرائم المرتكبة في دارفور “تمثل استهدافاً وجودياً للسودان”.

وأشار إلى أن ما حدث في الفاشر يعكس نمطاً من الانتهاكات التي سبق أن شهدتها ولايات أخرى مثل غرب دارفور، مشدداً على ضرورة ملاحقة المسؤولين عنها لضمان عدم إفلاتهم من العقاب.

وبالتوازي مع هذا الحراك، ثمن مبعوث الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس الدور القطري، مؤكداً أن الدوحة وأنقرة ودولاً أخرى تلعب أدواراً محورية في الملف السوداني.

ووصف الوضع الإنساني في السودان بأنه “أكبر كارثة إنسانية في العالم حالياً”، مشدداً على ضرورة إنهاء هذا الوضع عبر هدنة إنسانية مدتها ثلاثة أشهر، بدعم من شركاء الرباعية الدولية.

وامتدّ تأثير الجهود القطرية إلى ملفات أخرى في القارة الأفريقية، إذ أسهمت الدوحة في التوصل إلى اتفاق بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، وُصف بأنه “بداية النهاية” لصراع استمر أكثر من 30 عاماً.

هذا الحضور، كما وصفه المبعوث الأميركي، يعكس قدرة قطر على بناء جسور الوساطة وتعزيز الحلول السلمية.

وتواصل قطر تأكيد مواقفها عبر المحافل الدولية، ففي جلسة استثنائية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، قالت مندوبة قطر الدائمة هند المفتاح إن قطر تُعرب عن “صدمتها واستنكارها للفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع”، داعية إلى وقف الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها.

وأكدت حرص الدوحة على حماية حقوق الشعب السوداني ورفضها لأي تدخل خارجي يمس سيادة البلاد، مشيرة إلى أن “كل يوم يمضي يكشف المزيد من المآسي التي يدفع ثمنها الأبرياء”.

على الأرض، تبقى الجهود القطرية الإنسانية محوراً عملياً وملموساً لاحتواء جزء من تداعيات الأزمة، فالمشاريع التي يجري تنفيذها في الدبة والفاشر ومناطق أخرى، سواء عبر الهلال الأحمر القطري أو صندوق قطر للتنمية أو قطر الخيرية، تمثل شبكة دعم عاجلة لآلاف الأسر التي فقدت كل شيء تقريباً.

وبين المساعدات الغذائية، وعيادات الإيواء، وفرق الدعم الطبي، تتشكل مقاربة قطرية متكاملة ترتكز على العمل الميداني إلى جانب الحراك السياسي والدبلوماسي.

وهكذا، تتقدم قطر بخطوات ثابتة لتأكيد حضورها الإنساني الفاعل في السودان، مستندة إلى رؤية ترى أن دعم الاستقرار جزء لا يتجزأ من مسؤوليات المجتمع الدولي، وأن حماية الشعوب في مناطق النزاع واجب لا يمكن تأجيله.

وفي وقت يشتد فيه القتال، تبقى هذه التدخلات إحدى النقاط المضيئة في مشهد معقد يحتاج إلى مزيد من الجهود الدولية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياة المدنيين وكرامتهم.

زر الذهاب إلى الأعلى