
تستعد تركيا، غدا الخميس، لاستقبال البابا ليو الرابع عشر، رئيس دولة الفاتيكان، في زيارة رسمية تستمر بين 27 و30 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري.
وتأتي الزيارة بوصفها الأولى للبابا إلى دولة خارجية منذ توليه منصبه الباباوي، وهو ما يحمّلها طابعاً استثنائياً في التوقيت والدلالات والمغزى السياسي والديني.
وأعلن رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، برهان الدين دوران، عبر منصة “إن سوسيال” التركية، أن محادثات البابا مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في العاصمة التركية أنقرة ستركز على تعزيز العلاقات الثنائية بين تركيا والفاتيكان، ومناقشة أبرز التطورات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب القضايا الإنسانية والحوار بين الأديان.
أهمية الزيارة.. ولماذا تركيا أولاً؟
وفق الخبراء، تحمل هذه الزيارة رسائل متشعّبة تتجاوز البروتوكول التقليدي لزيارات رؤساء الدول، كونها تأتي في لحظة سياسية شديدة الحساسية في المنطقة، ووسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، لا سيما في غزة، وتنامي الدعوات الدولية لتعزيز الحوار الديني والسياسي بين مكوّنات المنطقة.
وفي وقت تُعد تركيا مركزاً جغرافياً وحضارياً بين الشرق والغرب، فإن اختيار البابا لها كأول محطة خارجية منذ تنصيبه يشير، وفق محللين، إلى رغبة الفاتيكان في تفعيل دوره الأخلاقي والإنساني في قضايا الإقليم، والاستفادة من الدور التركي المتقدم في الملفات الإقليمية الحساسة.
رسائل دبلوماسية وروحية
المحلل السياسي إبراهيم قيسون يرى أن “زيارة البابا ليو الرابع عشر رسالة دبلوماسية وروحية تحمل في طياتها أبعاداً تتصل بالحوار بين الأديان وإعادة ربط الكنيسة الكاثوليكية بمركز الأرثوذكسية في نيقية وإسطنبول”.
وقال قيسون في حديثه لـ”وكالة أنباء تركيا”، إن “زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى تركيا رسالة دبلوماسية وروحية: تؤكد اهتمام الفاتيكان بالحوار بين الأديان وإعادة ربط الكنيسة الكاثوليكية بمركز الأرثوذكسية في نيقية وإسطنبول، وتضع تركيا منصة للحديث عن السلام الإقليمي والقضية الفلسطينية”.
وتابع “اختارها البابا كونها مزيجًا من الرمزية التاريخية (ذكرى مجمع نيقية) وإمكانات الوساطة الدينية والسياسية الإقليمية، وتؤمل تعزيز حماية الأقليات وإحياء القنوات الدبلوماسية والحوار البناء بأفق سلام دائم”.
وأشار إلى أنّ “الزيارة تبرز دور تركيا كجسر حضاري بين الشرق والغرب، وتعزيز الاهتمام العالمي بحماية التراث الديني وصون حرية العبادة، إضافة إلى دعم الحوار الإسلامي المسيحي، وفتح مسارات جديدة للمصالحة بين الكنائس، كما تمنح الزيارة زخماً للدور الأخلاقي للكرسي الرسولي في القضايا الإنسانية العاجلة”، حسب تعبيره.
دلالات سياسية عميقة وتقاطعات مع ملفات أوروبا
أما المحلل السياسي مهند حافظ أوغلو، فيؤكد أن “الزيارة تحمل أبعاداً متعددة على المستويات الإنسانية والدينية والسياسية”، معتبراً أنها “تأتي في سياق علاقات تركية إيطالية جيدة وممتازة في السنوات الأخيرة، وهو ما يشكّل نقطة اختراق في علاقات تركيا مع دول الاتحاد الأوروبي من خلال بوابة الفاتيكان”.
وقال حافظ أوغلو في حديث لـ”وكالة أنباء تركيا” إنها “زيارة مهمة على المستوى الإنساني وعلى المستوى الديني، وعلى المستوى السياسي العلاقات ما بين تركيا وإيطاليا بشكل عام والفاتيكان، التي لطالما كانت في السنوات الأخيرة جيدة وممتازة، وبالتالي كانت هذه الدعوه من الرئيس أردوغان لبابا الفاتيكان لزيارة تركيا”.
وأضاف “تعتبر العلاقات التركية الايطالية الآن بشكلها العام حجر أساس ونقطة اختراق بين دول الاتحاد الأوروبي”.
وزاد بالقول “التعاونات الإنسانية والدينية غير المباشرة مع الفاتيكان ستكون ذات أثر واضح على ملف غزة، وعلى قضايا المظلومين في إفريقيا والشرق الأوسط”، لافتاً إلى أن “الفاتيكان يمتلك بعداً اجتماعياً وسياسياً يجعل من التنسيق مع تركيا أمراً مهماً”.
وتابع حافظ أوغلو “وهذا يؤكد على أن تركيا دولة مهمة ومحورية حتى للفاتيكان الذي هو رأس المسيحيين أو الكاثوليك في العالم، وبالتالي نتحدث عن تعاونات متعددة”.
وأكد قائلا “هذه هي تركيا في كل مكان وفي كل إقليم وفي كل ملف حاضرة وبقوة، لذلك هذه الزيارة هي زيارة ذات أبعاد متعددة وليست زيارة عابرة”.
البعد الفلسطيني في قلب المحادثات
من المتوقع أن يحجز ملف غزة مساحة واسعة من محادثات المسؤولين الأتراك مع بابا الفاتيكان، نظراً للدور الذي يلعبه الفاتيكان في الدعوة إلى حماية المدنيين ووقف التصعيد، إلى جانب المواقف التركية التي حملت خطاباً واضحاً في دعم الفلسطينيين.
وتشير التوقعات إلى أن أنقرة ستسعى إلى حشد دعم أكبر من الفاتيكان للمسار الإنساني في القطاع، في ظل تدهور الوضع الميداني والانتهاكات المستمرة، إضافة إلى الدفع باتجاه مبادرات مشتركة تعزّز الحوار بين مكوّنات المنطقة.
أبعاد تتجاوز البروتوكول
تجمع القراءات السياسية على أن الزيارة ليست مجرد حدث رسمي، بل خطوة استراتيجية تعيد وضع تركيا في مركز الاهتمام الدولي، كدولة محورية في ملفات الحوار الديني، وممر رئيسي لأي جهد إقليمي يسعى إلى التهدئة وبناء السلام.
كما تعكس الزيارة رغبة الفاتيكان في استئناف دور فاعل في الشرق الأوسط، وفي إعادة هندسة خطوط التواصل بين الكنائس في المنطقة، بالتوازي مع مساعٍ دبلوماسية لتعزيز المصالح الأخلاقية والإنسانية وفتح مجالات تعاون ثقافي وإنساني طويل الأمد.
ومع وصول البابا ليو الرابع عشر إلى أنقرة، تدخل العلاقات بين تركيا والفاتيكان مرحلة جديدة ذات أبعاد مركّبة، تجمع بين الديني والسياسي والإنساني، في وقت يُعيد فيه الطرفان ترتيب أولويات الحوار من أجل السلام والاستقرار في منطقة تتقاطع فيها أزمات كبرى وتطلعات شعوب عدة نحو مستقبل أكثر أمناً وتوازناً.







