تقاريرهام

التصعيد في الشيخ مقصود والأشرفية.. لماذا تختار ميليشيا “قسد” حلب الآن؟ (تقرير)

تشهد مدينة حلب تصعيداً ميدانياً متسارعاً، عقب إعلان هيئة العمليات في الجيش العربي السوري حيّي الشيخ مقصود والأشرفية منطقتين عسكريتين، في خطوة قالت إنها تأتي رداً على ما وصفته بـ “التصعيد الكبير” الذي تقوم به ميليشيا قسد ضد الأحياء السكنية في المدينة، وما نتج عنه من سقوط ضحايا مدنيين وحدوث موجات نزوح واسعة.

وقالت الهيئة في بيان رسمي نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا)، إن “جميع المواقع العسكرية التابعة لقوات قسد داخل أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب أصبحت هدفاً عسكرياً مشروعاً للجيش”، مشددة على ضرورة ابتعاد المدنيين عن مواقع انتشار ميليشيا قسد، حفاظاً على سلامتهم. وأكد البيان أن القرار جاء “بعد التصعيد الكبير للتنظيم باتجاه أحياء مدينة حلب وارتكابه العديد من المجازر بحق المدنيين”.

ممرات إنسانية وحظر تجوال

وبالتزامن مع الإعلان، فتحت هيئة العمليات معبرين إنسانيين آمنين أمام الراغبين في مغادرة المنطقة، هما معبر العوارض ومعبر شارع الزهور، حتى الساعة الثالثة من بعد ظهر اليوم.

كما أعلنت أن حيّي الشيخ مقصود والأشرفية سيُعدّان منطقة عسكرية مغلقة بعد هذا التوقيت، مع فرض حظر تجوال كامل.

ودعت الهيئة المدنيين إلى “الابتعاد الفوري عن مواقع ميليشيا تنظيم قسد”، مؤكدة أن هذه الإجراءات تأتي في إطار تأمين خروج الأهالي وتقليل المخاطر على السكان.

اشتباكات وقصف ونزوح

ميدانياً، تجددت المواجهات صباح اليوم في محيط حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، بعد ليلة ساخنة شهدتها مدينة حلب، إثر قصف عنيف طال عدداً من أحياء المدينة من قبل ميليشيا قسد، وأسفر عن سقوط ضحايا مدنيين.

وقالت وكالة “سانا” إن الجيش السوري رد على قصف ميليشيا قسد لحي السريان، باستهداف مصادر النيران في الشيخ مقصود والأشرفية، مشيرة إلى اندلاع اشتباكات على محور الكاستيلو والشيحان.

ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار خروج المدنيين من الحيين والأحياء المحيطة بهما، وسط أوضاع إنسانية صعبة.

الدفاع المدني: استهداف للممرات الإنسانية

وأكد الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) أن فرقه تواصل تأمين العائلات العالقة في الأحياء التي تتعرض لقصف متقطع من قبل ميليشيا قسد، موضحاً أن الفرق انتشرت بالقرب من نقاط الإجلاء لتأمين نقل الأهالي إلى أماكن آمنة أو إلى مراكز الإيواء المعتمدة.

وفي السياق ذاته، أفادت مصادر محلية بأن ميليشيا قسد تستهدف الممرات الإنسانية خلال نزوح المدنيين من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، ما يزيد من المخاطر التي تواجه الأهالي أثناء محاولتهم مغادرة مناطق التوتر.

حصيلة الضحايا وإجراءات الإجلاء

من جهتها، أعلنت مديرية صحة حلب ارتفاع حصيلة ضحايا قصف ميليشيا قسد للأحياء السكنية إلى أربعة قتلى و18 مصاباً، مع استمرار حالة الاستنفار التام في جميع مشافي المحافظة.

كما أكدت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية إجلاء 850 مدنياً، معظمهم من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، على خلفية التوتر الأخير.

وقال الدفاع المدني السوري إن عملية الإجلاء تمت عبر نقطتي تجمع في منطقة العوارض وشارع الزهور، بالتزامن مع تزايد خروج المدنيين من الأحياء القريبة من منطقة التوتر، التي تعرضت للقصف من قبل ميليشيا قسد.

وأعلنت مديرية الإعلام في حلب تخصيص مراكز إيواء للأهالي حتى انتهاء التصعيد وتنفيذ الاتفاق ودخول مؤسسات الدولة.

الجيش ينفي التقدم ويؤكد حماية المدنيين

وفي بيان لاحق، شددت هيئة العمليات في الجيش السوري على أن الجيش “لم يبدأ أي عمليات تقدم تجاه مناطق سيطرة قسد في حلب”، مؤكدة أن الجهود تتركز حالياً على تأمين خروج الأهالي من حيّي الأشرفية والشيخ مقصود.

واتهمت الهيئة ميليشيا قسد باستهداف المدنيين أثناء خروجهم من الأحياء، مؤكدة أن “بسط الأمن والاستقرار سيتم بالطريقة المناسبة لحماية الأهالي”.

ويأتي ذلك رداً على مزاعم أطلقتها ميليشيا قسد تحدثت فيها عن وقف عملية تقدم للجيش السوري قرب تلة الكاستيلو.

مواقف دولية

دولياً، أعربت وزارة الخارجية البريطانية عن قلقها الشديد إزاء الاشتباكات في حلب، وما تسببت به من إصابات بين المدنيين ونزوح للسكان. ودعت لندن إلى التهدئة الفورية والحوار وحماية المدنيين، معتبرة أن إحلال الاستقرار في سوريا “يحتل أهمية كبيرة”.

خلفيات التصعيد: قراءة تحليلية

وفي تفسير أوسع للتطورات، قال الباحث في الشأن السياسي والعسكري رشيد حوراني، في تصريحات لـ “وكالة أنباء تركيا”، “تقوم قسد بالتصعيد في حلب عبر وجودها في حيي الاشرفية والشيخ مقصود لوجود غالبية كردية فيهما (من اقليات) وتستخدمهم كدرع بشري في وجه الحكومة، وتستفز قوات الحكومة لعمل عسكري ضدها لجرها الى ذلك وما ينجم عنه من ادانات دولية تعرقل تقدم عمل الحكومة والاعتراف بها دوليا”.

وتابع “من جانب أخر التصعيد تزامن مع نشر بنود اتفاق سوري مع الكيان الإسرائيلي، وإسرائيل رفعت شعار حماية الأقليات، وبالتالي تريد قسد من خلال التصعيد وما يتبعه للدعاية لمظلوميتها كأقلية، ودعوة لنتنياهو ليعيد ويجدد إحياء دعوته بحماية الأقليات”.

وأضاف “تعتمد قسد في ذلك على أن قرار رفع العقوبات نص على حماية الأقليات، والاتفاق الإسرائيلي السوري أيضا نص على رعاية الدروز، وبالتالي تسعى قسد لتحصيل حماية من الخارج لها، على الامتيازات التي أعطتها الدول الأوربية لمسيحيي الدولة العثمانية في أواخر عهدها”.

بدوره، قال الباحث في الشأن السياسي محمد سالم، في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، “تُعدّ حلب ذات أهمية كبيرة باعتبارها المدينة الثانية في سوريا من حيث الأهمية الاقتصادية والكثافة السكانية، ومن هذا المنطلق، تحاول قسد إرسال رسائل مفادها أنها حاضرة داخل هذه المدينة وقادرة على التأثير في أمنها واستقرارها، وبالتالي تهديد مسار التعافي والنمو الاقتصادي في واحدة من أهم المدن السورية”.

وأضاف “وتكتسب هذه المنطقة أيضاً أهمية رمزية خاصة بالنسبة لأنقرة، بحكم امتداداتها التاريخية والجغرافية المرتبطة بتركيا، ما يضيف بعداً إقليمياً إضافياً لأي تصعيد يجري فيها”.

وزاد بالقول “في هذا السياق، يبدو أن قسد تستفيد من الكثافة السكانية العالية في الأحياء التي تتمركز فيها، وهو ما يجعل الحسم العسكري المباشر صعباً ومكلفاً إنسانياً. ومن خلال هذا الواقع، تحاول تحسين شروطها التفاوضية عبر الضغط على الحكومة، سواء من خلال تكرار التوترات الأمنية أو عبر استهدافات داخل المدينة تُوصَف بأنها عشوائية، الأمر الذي يفاقم المخاطر على المدنيين ويزيد من كلفة أي تصعيد”.

مشهد مفتوح على الاحتمالات

في ظل استمرار التصعيد، تبقى حلب أمام مرحلة حساسة، تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية والإنسانية والسياسية، وسط مساعٍ رسمية لتجنيب المدنيين تداعيات المواجهة، في مقابل استمرار ميليشيا قسد في تثبيت وجودها العسكري داخل أحياء سكنية مكتظة، ما يضع المدينة أمام تحديات أمنية وإنسانية معقدة في المرحلة المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى