
سوريا الجديدة وصناعة الدولة.. على ضوء التجربة التركية والماليزية في الإنجاز (مقال)
قال عزّ وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
وقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105].
الآيتان معًا تُشكّلان دستور النهضة: عملٌ واعٍ، وتغييرٌ ذاتيّ يسبق أي تغيير سياسي أو اقتصادي. هذه ليست مواعظ، بل سنن تاريخ.
المدخل الفكري: في خلاصته الفكرية الأخيرة، أكّد مهاتير محمد أن المعرفة التي لا تُترجَم إلى سياسات وإنتاج هي ترفٌ معطِّل، وأن أخطر ما يُصيب الدول هو تقديس الجهل حين يتزيّن بالشعارات.
الدولة، في نظره، مشروع إدارة عقلانية: هي اقتصاد يقود، وقانون يحمي، ومجتمع يعمل.
خمس عشرة إضاءة نهضوية في فكر مهاتير محمد:
الاقتصاد أولاً.. ثم السياسة: الاقتصاد هو لغة العصر ومحرك الاستقرار، وحين يُدار الاقتصاد بكفاءة، تهدأ السياسة تلقائيًا.
ماليزيا قدّمت الناتج القومي والتشغيل على الاستقطاب السياسي اولا، فاستقرت الدولة.
من الاستهلاك إلى التصنيع: الاستهلاك الدائم تبعية مقنّعة، التحوّل إلى التصنيع المتوسط يخلق وظائف سريعة، ويُحسّن الميزان التجاري، ويؤسس لسيادة حقيقية.
الإنسان المنتج هو الثروة: التعليم التطبيقي والتدريب المهني وربط الجامعات بسوق العمل هو الشي يصنع أي قيمة مستدامة، واستثمار الإنسان المؤهَّل أصلٌ لا ينضب.
الدولة تُدار بالعقل المؤسسي: فلا نهضة بالكاريزما وحدها، نعم المطلوب إدارة عامة قائمة على البيانات، ومؤشرات الأداء، والمساءلة عقل دولة لا انفعال مرحلة.
الفقر هو العدو الأول: لا وعي مع الجوع، ومكافحة الفقر سياسة أمن قومي لأنها تُعيد للإنسان كرامته وقدرته على المشاركة.
الأمن والقضاء عمودا التنمية: فلا استثمار بلا استقرار، ولا استقرار بلا عدالة، لذلك يجب أن نوفر أمنا يحمي القانون وقضاء مستقلا يطمئن المستثمر والمواطن معًا.
المصالحة الوطنية خيار اقتصادي: السلم الأهلي يُخفِّض كلفة المخاطر ويجذب الاستثمار، التعايش المجتمعي رأسمال غير منظور لكنه وازن وحاسم في معادلة نماء الدول وتطورها.
تجاوز حروب الماضي: بإدارة الذاكرة لا السكن فيها، لأن المستقبل يُبنى بقرارات اليوم، لا بثارات الأمس، لأن من يعتاش على ثارات الماضي يحصد الخراب ومرارات الندامة.
لا قداسة خارج النص: النص مقدّس، أمّا الفهم فاجتهاد بشري. وتقديس الاجتهاد يُعطّل الاجتهاد نفسه ويُجمّد التاريخ.
الدين قوة دافعة لا كابحًا: فحين يتحرّر الدين من التوظيف السياسي، يصبح محفّزًا للأخلاق والعمل لا عائقًا أمام العلم.
العلم أساس السيادة: الأمم تُقاس بقدرتها على البحث والابتكار، فالمختبرات ومراكز الأبحاث و الابتكار والتصنيع وحوافز التعليم هي من تصنع التفوق.
الدولة جامعة لا إقصائية: الشمول قوة استراتيجية والإقصاء يُنتج النزاعات، والشمول يُنتج استقرارًا.
القانون حارس التنمية: عقود محمية، قضاء نزيه، ومكافحة فساد فعّالة—هذه هي بيئة الاستثمار الصحي.
الجرأة في القرار: الإصلاح الحقيقي يُغضب المستفيدين من التخلف، فلا نهضة بلا كلفة سياسية قصيرة المدى للقضاء على التخلف .
العمل قبل الدعاء: الدعاء مع العمل سنّة، وبدونه أمنيات. فمن يعمل يغيّر واقعه ومن لا يعمل يتجاوزه الواقع.
الاستفادة من التجربة التركية (أمثلة قابلة للتوطين):
المشاريع المتوسطة (تشغيل سريع):
المناطق الصناعية المنظمة في الولايات حوت آلاف المصانع خلال سنوات قليلة ببنية تحتية جاهزة وحوافز ذكية.
التوطين السوري: مناطق صناعية خفيفة قرب المدن الآمنة، إعفاءات ضريبيه مرحلية، وربط لوجستي مباشر.
الإسكان والبنية الاجتماعية (نموذج TOKİ):
هو إسكان واسع النطاق بكلفة مضبوطة وتنفيذ سريع.
التوطين السوري: برنامج إسكان وطني بالشراكة مع الخاص لتثبيت السكان وتحريك قطاع البناء.
المشاريع الكبرى (قفزات نوعية) مثل مطار إسطنبول:
شراكات (PPP) وتمويل مبتكر وتسليم قياسي.. محاور نقل وجسور عملاقة رفعت التنافسية اللوجستية.
التوطين السوري: موانئ، مطارات إقليمية، ومحاور نقل بعقود امتياز شفافة.
آلية التنفيذ التركية:
أولوية واضحة → تمويل ذكي → جهاز تنفيذ محترف → رقابة زمن/كلفة → تشغيل سريع.. إرادة قبل الأدوات.
الخلاصة
من مهاتير نتعلّم: التغيير يبدأ من النفس ويُقاس بالإنجاز.
ومن تركيا نتعلّم: الإنجاز ممكن بإدارة رشيدة وحماية القانون.
وسوريا الجديدة قادرة أن تجمع الوعي والإنجاز.. فتُغيّر ما بنفسها، فيُغيّر الله ما بها إن شاء الله تعالى.






