وَهم التراندات في قرية عولمة الجمال (مقال)

لم يعد الحديث عن الجمال ضرباً من التنوّع الفطري أو التذوّق النسبي، بل غدا صناعةً عالميةً تُعيد تعريف الجسد الإنساني بوصفه مادةً قابلة للتعديل المستمر وإعادة التشكيل وفق معايير موحّدة معلّبة تُفرض فرضاً، وهي في الوقت ذاته متقلّبة بتقلّب الموجات والترندات trends!

ما نشهده اليوم من سُعار عمليات التجميل الجراحي، واللهاث خلف الترند الجمالي من أنف صغير إلى كبير إلى pig nose، ومن شفاه رقيقة إلى غليظة إلى أخرى منتفخة كـduck mouth إلى غيرها.

ليس كل ذلك ظاهرة هامشية، بل تعبيراً عن تحوّل عميق في علاقة الإنسان بجسده.

فمن الجمال المجرّد إلى قابلية البيع والشراء صار هؤلاء ضحايا سوق تديرها لوبيات المستحضرات بشراسة وفق حروب نفسية مدروسة.

تشير الفيلسوفة الأمريكية نعومي وولف في كتابها أسطورة الجمال إلى “أن معايير الجمال الحديثة لا تهدف إلى تمكين المرأة أو الاحتفاء بها، بل إلى ضبطها نفسياً عبر شعور دائم بالنقص”.

فكلما اقتربوا من سَراب المعيار، تغيّر المعيار ولَم يجدوه شيئاً.

فالجمال هنا يُقاس بوَهم الاكتفاء فقط دون أي اعتبار آخر.

وهذا ما يتقاطع مع تحليل عالم الاجتماع زيغمونت باومان الذي رأى أن الإنسان في الحداثة السائلة “يُدفَع ليكون مشروعاً غير مكتمل، دائم التحسين، دائم القلق”.

لماذا؟

لأن ببساطة؛ الاستقرار في الرغبات عدو السوق.

هكذا يتحول الجسد من أمانة وجزء من هوية الإنسان إلى واجهة استهلاكية قابلة لإعادة التصميم بحسب بورصة العرض والطلب! لتتحول الملامح، الأنف الشفاه، الخدود، العيون، الحواجب، الرموش.. اللون، الطول، الضخامة، الشعر، البشرة..

كل ذلك يتحوّل إلى مشاريع استثمار.

لذا وصفت الطبيبة والباحثة الأمريكية سوزان بوردو هذا المسار العالمي بأنه انتقال من العناية بالجسد إلى الهوس المرضي بالتحكم فيه، حيث يصبح التغيير غاية بحد ذاته، لا وسيلة لعلاج أو حاجة.
لتظهر المفارقة العكسية:

أنه كلما زادت عمليات تحسين الجمال لأجل تحقيق الذات = زاد الشعور بالقَلِق.

وهنا يكمن خطر عولمة الجمال؛ أي في توحيد الذوق الإنساني وفق النموذج الرأسمالي المتطرّف.

فقد خلق الله أعراقاً مختلفة في بيئاتٍ متناقضة نتج عنها ثقافات متباينة..

وهُم أرادوا خلق ملامح صالحة عالمياً، سهلة التسويق، سريعة القبول، بلا خصوصية…

في عملية إزالة المحلية الجمالية لصالح تطبيع الـ paradigm المهيمن، وقد صدقوا حين سمَّوه model في تصريح لما يحمله المسمّى من قيم وسلطة.

كان هذا العرضُ مثالاً على صرعات التراند لا أكثر، قصدتُ به توضيح أن كل تراند هو دورة بحد ذاته: تبدأ بخلق معيار.. ثم زرع شعور النقص.. مع تقديم الحل.. وصولاً إلى استهلاك جماعي.. ثم إعلان انتهاء الصلاحية… وتبدأ الدورة أو قُلْ الدوامة من جديد!

Exit mobile version