يتصاعد الجدل في الأوساط الدينية والفكرية العربية والإسلامية حول ما يُعرف بـ “الديانة الإبراهيمية”، وهو طرح يُقدَّم بوصفه إطارًا جامعًا للأديان السماوية الثلاثة، في وقتٍ يحذّر فيه علماء ومؤسسات دينية وناشطون من مخاطر عقدية وسياسية يرون أنها كامنة خلف هذا المفهوم، مؤكدين أنه “ليس مصطلحًا شرعيًا معتبرًا في الإسلام”، وأنه يفتح الباب أمام خلطٍ عقدي وتشويشٍ على الثوابت الدينية والهوية الإسلامية.
طرحٌ مثير للجدل وانتشار متسارع
وفق متابعين، يشهد مفهوم “الديانة الإبراهيمية” ترويجًا متزايدًا عبر منصات إعلامية وثقافية، مع انخراط مؤثرين وناشطين من دول مختلفة في نشر خطاب يدعو إلى “وحدة الأديان” تحت مظلة الانتساب إلى النبي إبراهيم عليه السلام.
ويشير رافضون إلى أن هذا الترويج يستهدف، بحسب توصيفهم، فئات شبابية مسلمة، عبر خطاب يوظّف مفردات التسامح والسلام، لكنه، كما يقولون، يفضي عمليًا إلى “الخلط بين الحق والباطل والتغطية على الإسلام” بوصفه الدين الخاتم.
ويرى منتقدون أن هذا المسار لا يقتصر على البعد الديني، بل يتقاطع مع أجندات ثقافية وسياسية أوسع، تُقدَّم أحيانًا في قوالب فنية أو أكاديمية أو حوارية، ما يمنحه قابلية للانتشار خارج الدوائر الدينية التقليدية.
موقف عقدي حاسم
في المقابل، يؤكد علماء ومراجع شرعية أن الإسلام حسم المسألة عقديًا بنصوص قطعية الدلالة، مستشهدين بقوله تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وقوله سبحانه ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.
ويشدّد هؤلاء على أن الإيمان بالأنبياء جميعًا، ومنهم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، جزء أصيل من عقيدة المسلم، غير أن هذا الإيمان، وفق التصور الإسلامي، لا يكتمل إلا بالإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، باعتبارها الرسالة الخاتمة الناسخة لما قبلها.
ويبيّن مختصون أن الإشكال الجوهري في مفهوم “الديانة الإبراهيمية” يتمثل في مساواته العقدية بين الأديان، وإلغائه لمبدأ النسخ، وتفريغه التوحيد من مضمونه، وجعل الوحي خاضعًا للتوافق الإنساني، لا مرجعًا حاكمًا عليه. ويؤكدون أن الدين، في المنظور الإسلامي، “وحيٌ يُتّبع لا فكرة تُعاد صياغتها”.
بين التعايش والخلط العقدي
ويحرص رافضو الطرح على التفريق بين “التعايش الإنساني” المشروع، القائم على العدل والإحسان واحترام الكرامة الإنسانية، وبين “الخلط العقدي” الذي يعدّونه مرفوضًا شرعًا ومنافيًا لأصل التوحيد.
ويؤكدون أن التسامح لا يعني تصحيح الباطل، وأن السلام لا يُبنى على إلغاء الخصوصيات العقدية، بل على وضوحها واحترامها المتبادل.
في هذا السياق، تحذّر أصوات دينية من أن تقديم “الوحدة الدينية” بوصفها شرطًا للسلام العالمي يُعدّ تبسيطًا مخلًا، وقد يؤدي، بحسب تعبيرهم، إلى طمس الهويات الدينية الأصيلة وإرباك وعي الأجيال الصاعدة.
مواقف مؤسسات دينية
مؤسسات دينية كبرى، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، أعلنت في مناسبات متعددة رفضها الدعوات إلى “وحدة الأديان” أو إنشاء دين موحّد جديد، مؤكدة أن إبراهيم عليه السلام “كان حنيفًا مسلمًا”، وأن توظيف مصطلحات مثل “الأديان الإبراهيمية” ككيان عقدي واحد يخالف أصول الدين الإسلامي.
واعتبرت هذه المؤسسات أن بعض هذه الطروحات قد تُستخدم كغطاء لأهداف سياسية أو تطبيعية، ووصفتها بأنها “حق أريد به باطل”، داعية العلماء والدعاة إلى التحذير منها وبيان حقيقتها للرأي العام.
أبعاد سياسية وثقافية
وفي بعدٍ آخر للنقاش، يطرح باحثون توصيف “الإبراهيمية المتصهينة” كمصطلح نقدي يصف، وفق كتابات أكاديمية، منها ما أورده د. محمد العوضي، توظيف مفهوم “الديانة الإبراهيمية” لتسويق ما يُعرف بـ “التطبيع الناعم”، ودمج الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة ثقافيًا ودينيًا، تحت مظلة خطاب ديني مُعاد تشكيله، بما يؤدي إلى تهميش البعد الإسلامي والعربي للقضية.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن الخطورة لا تكمن فقط في البعد العقدي، بل في إعادة صياغة الوعي الجمعي، عبر تقديم سرديات جديدة تُفرغ الصراع من جذوره التاريخية والدينية، وتحيله إلى مسألة “تعايش ديني” مجردة من سياقها.
دعوات للتوعية والتحصين
في خضم هذا الجدل، تتزايد الدعوات إلى تكثيف جهود التوعية، لا سيما بين الشباب، عبر خطاب علمي رصين يفرّق بين قيم التعايش المشترك وبين محاولات الخلط العقدي.
ويؤكد مختصون أن مواجهة هذه الظواهر لا تكون بالانفعال، بل بالبيان والحجة والمعرفة، وبإبراز ثوابت العقيدة الإسلامية بلغة معاصرة قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة.
ويخلص مراقبون إلى أن الجدل حول “الديانة الإبراهيمية” مرشح للاستمرار، في ظل تداخل الديني بالسياسي والثقافي، ما يجعل من الضروري” برأيهم، إدارة النقاش بقدر عالٍ من المسؤولية والوضوح، حفاظًا على الثوابت الدينية، ومنعًا لتحويل مفاهيم السلام والتسامح إلى أدوات تُستخدم خارج سياقها الحقيقي.
