الصناعات العسكرية التركيةتقاريرهام

تركيا تقترب من نادي العشرة الكبار دفاعيا.. مشاريع عملاقة واستثمارات تتجاوز 100 مليار دولار (تقرير)

تسير تركيا بخطى متسارعة نحو ترسيخ موقعها بين أكبر القوى المصدّرة للصناعات الدفاعية في العالم، مع إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دخول تركيا مرحلة جديدة من الاستقلال الدفاعي، تستهدف الوصول إلى قائمة أكبر 10 دول مصدّرة للسلاح بحلول عام 2028.

ويعكس هذا التوجه تحوّلاً نوعياً في فلسفة الصناعات الدفاعية التركية، التي انتقلت خلال عقدين من الاعتماد شبه الكامل على الخارج إلى نموذج يرتكز على الاكتفاء الذاتي والتصدير الواسع.

فبعد أن كانت نسبة الاعتماد على الاستيراد تقارب 80% مطلع الألفية، تراجعت اليوم إلى نحو 20% فقط، في مؤشر على نضج البنية التكنولوجية الوطنية.

كما قفزت قيمة الصادرات الدفاعية من 248 مليون دولار عام 2002 إلى أكثر من 10 مليارات دولار حالياً، مع تسجيل نمو بنسبة 48% خلال العام الأخير وحده، فيما بلغت صادرات الصناعات الدفاعية والطيران في عام 2024 نحو 7 مليارات و154 مليون دولار، وهو رقم قياسي جديد يعزز موقع أنقرة في التصنيف العالمي، حيث ارتقت إلى المرتبة الـ11 بين الدول المصدّرة للسلاح.

مشاريع عملاقة واستثمارات تتجاوز 100 مليار دولار

تزامناً مع هذا الزخم، تشهد تركيا تنفيذ أكثر من 1400 مشروع دفاعي، بقيمة إجمالية تتجاوز 100 مليار دولار، في حين سجل حجم المشاريع زيادة بنسبة 29% مقارنة بعام 2023.

وخلال فعالية رسمية حديثة، تم إطلاق ووضع حجر الأساس لعدد من المشاريع النوعية، أبرزها إدخال المركبة البحرية المسلحة غير المأهولة “SANCAR” إلى الخدمة، في خطوة تعكس التوجه المتنامي نحو الأنظمة غير المأهولة في البر والبحر والجو.

كما تم افتتاح منشأة “KAAN” للتكنولوجيا، المرتبطة بمشروع المقاتلة الوطنية من الجيل الجديد KAAN، إلى جانب تدشين مركز أنظمة إدارة الحرب البحرية ومنشأة إنتاج أجهزة المحاكاة، ما يعزز قدرات التدريب والتشغيل في القوات البحرية.

وتؤكد هذه المشاريع أن أنقرة لا تكتفي بتطوير منتجات منفردة، بل تعمل على بناء منظومات متكاملة تشمل البحث والتطوير، والإنتاج، وأنظمة القيادة والسيطرة، والتدريب.

سيادة رقمية وأمن سيبراني

في موازاة التحديث العسكري التقليدي، تركز تركيا على ما تصفه بـ”السيادة الرقمية”، باعتبارها ركيزة أساسية لقوة الجيوش الحديثة.

وأكد أردوغان أن الدول التي لا تمتلك برمجياتها الوطنية لا يمكنها الحديث عن مستقبل آمن، في إشارة إلى التحول من مفهوم التفوق القائم على العتاد فقط إلى مفهوم يتكامل فيه السلاح مع البرمجيات والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.

ويبرز في هذا السياق دور شركة HAVELSAN (هافلسان)، التي تشكل العمود الفقري الرقمي للعديد من أنظمة القيادة والسيطرة والحلول السحابية العسكرية، إلى جانب تطوير أنظمة إدارة المعارك وحماية البيانات.

كما يتم تطبيق مبدأ “بيانات تركيا يجب أن تبقى داخل تركيا” عبر أنظمة إدارة وطنية مثل “KOVAN”، بما يعزز حماية البنية التحتية الحساسة من التهديدات السيبرانية، ويؤسس لنموذج سيادي في إدارة المعلومات العسكرية.

ميزانيات قياسية وبحث وتطوير متصاعد

بلغت ميزانية البحث والتطوير في قطاع الصناعات الدفاعية التركية خلال العام الماضي نحو 3 مليارات دولار، فيما تجاوزت نسبة المكوّن المحلي في المنتجات الدفاعية 80%، وهو مؤشر على تعاظم قدرات الشركات الوطنية في إنتاج المكونات الحساسة محلياً.

ويعمل في القطاع أكثر من 3 آلاف و500 شركة، تنفذ ما يزيد على 1100 مشروع نشط، ما يعكس اتساع قاعدة الإنتاج وتنوعها، من الصناعات الثقيلة إلى الإلكترونيات الدقيقة وأنظمة المحاكاة.

كما قدمت تركيا خلال العام الماضي أكبر عدد من المشاريع للمشاركة في برامج حلف شمال الأطلسي (ناتو) مقارنة بالسنوات السابقة، في خطوة تعكس طموحها لتعزيز حضورها داخل منظومة الصناعات الدفاعية للحلف.

أوروبا في صدارة المستوردين

على صعيد الأسواق، صدّرت تركيا في عام 2024 نحو 300 منتج دفاعي إلى أكثر من 180 دولة، وجاءت أوروبا في مقدمة المستوردين، في تحول لافت يعكس تزايد الثقة بالمنتج التركي.

وشملت الواردات الأوروبية المسيرات، والصواريخ الذكية، والمركبات البرية، وأبراج الأسلحة، والسفن الحربية، والطائرات والمروحيات، إضافة إلى الرادارات وأجهزة المحاكاة.

ومن أبرز إنجازات العام تصدير سفن حربية إلى البرتغال، في خطوة تعزز الحضور التركي داخل السوق الأوروبية، التي كانت تاريخياً تعتمد بشكل رئيسي على المنتجين الغربيين التقليديين.

أرقام تعكس اتساع الانتشار العالمي

تكشف بيانات عام 2024 عن اتساع لافت في رقعة الانتشار الجغرافي للصناعات الدفاعية التركية. فقد صدّرت أنقرة:

  • 4 آلاف و500 مركبة برية إلى 40 دولة.
  • 3 طرادات حربية إلى 3 دول.
  • 140 منصة بحرية إلى أكثر من 10 دول.
  • ذخائر وصواريخ إلى 42 دولة.
  • 770 مسيّرة استطلاعية وهجومية إلى أكثر من 50 دولة.
  • 1500 مسيّرة كاميكازي إلى 11 دولة.
  • 1200 نظام كهروبصري ومنظومات أسلحة مثبتة إلى 24 دولة.
  • مروحيات هجومية إلى 8 دول.
  • رادارات إلى 10 دول.
  • أسلحة خفيفة إلى 111 دولة.
  • طائرتين من طراز “حركوش” إلى دولتين.

وتشير هذه الأرقام إلى تنوع في سلة المنتجات، من الأنظمة الاستراتيجية الثقيلة إلى الذخائر والأسلحة الخفيفة، بما يوسع قاعدة العملاء ويقلل من مخاطر الاعتماد على سوق واحد.

أثر اقتصادي واستراتيجي مزدوج

إلى جانب البعد العسكري، أسهمت المنظومات التي تم تسليمها للقوات الأمنية التركية وحدها بإضافة ما لا يقل عن 40 مليار دولار إلى الاقتصاد الوطني، وفق التقرير، ما يعكس الأثر الاقتصادي المباشر لتوطين الصناعات الدفاعية.

ويرى مراقبون أن هذا التوسع لا يقتصر على تحقيق عائدات مالية، بل يعزز أيضاً النفوذ السياسي لتركيا في مناطق مختلفة من العالم، عبر بناء شراكات دفاعية طويلة الأمد.

ومع اقتراب عام 2028، تبدو أنقرة مصممة على ترجمة قفزتها الصناعية إلى موقع متقدم ضمن “العشرة الكبار” عالمياً، مستندة إلى مزيج من التقدم التكنولوجي، والاستثمار المكثف في البحث والتطوير، وتوسيع الأسواق، وتعزيز السيادة الرقمية، في مسار يعيد رسم خريطة الصناعات الدفاعية إقليمياً ودولياً.

 

زر الذهاب إلى الأعلى